فهرس الكتاب
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصَّفُ! فأفٍ لدنيا لا يدوم نعيمها! تقلَّب تارات بنا وتصرَّفُ! فلما فتح سعد بن أبى وقاص أرض الفرس، أتته حُرقة بنت النعمان مع عدد من جواريها تطلب منه العون، فنظر إليهن وسأل: أيتكن حرقه؟ قلن: هذه وأشرن إليها! قال لها أنت حرقة. قالت نعم فما تكرارك الاستفهام؟ إن الدنيا دار زوال، وإنها لا تدوم على حال. إنّا كنا ملوك هذا المصر من قبلك، يجىء إلينا خراجه، ويطيعنا أهله زمان دولتنا. فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا وشتت شملنا، وكذلك الدهر يا سعد! إنه ليس من قوم بسرور وجدَةٍ إلا والدهر مُعقبُهم حسرة، وكررت بيتيها السابقين. فأكرمها سعد وأحسن جائزتها، فلما أرادت فراقه قالت له: لا أنصرف عنك حتى أحييك بتحية ملوكن ا: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولازال لكريم عندك حاجة! ولا نزع من عبد صالح نعمة إلا جعلك سببا لردّها عليه..! فلما خرجت من عنده تلقاها نساء البلد، فقلن لها: ما صنع بك الأمير؟ قالت: حاط لى ذمتى، وأكرم وجهى! إنما يكرم الكريمَ الكريمُ.. انظر عقل هذه الأميرة السابقة وأدبها وحكمتها وكيف حاورت سعد بن أبى وقاص القائد الفاتح المنتصر، فنالت تقديره وإكرامه... وددت لو أن المثقفات العربيات كنّ على هذا المستوى، فنلن إعجاب واحد من العشرة المبشرين بالجنة. إن المرأة تعظم بعلمها الواسع وبيانها الحكيم وسيرتها الماجدة . ص _064