أولًا: الاعتصام بمحكمات الكتاب والسنة:
ما زال المحدثون يعقدون كتابًا، أو بابًا، في مصنفاتهم بعنوان: (الاعتصام بالكتاب والسنة) ، كما صنع البخاري وغيره. ويروون فيه أحاديث في تعظيم النصوص، والتمسك بالآثار، والتمسيك بالكتاب، وذم التفرق، والأهواء، والتحذير من الفتن.
لقد أودع الله تعالى كتابه الكريم جملة من القواعد المحكمة، والثوابت الراسخة، المبنية على السنن الكونية، للتعاطي مع المتغيرات، والتعامل مع مختلف الأفراد والجهات. فيجب على الناظر في الوقائع، ومستجدات الأحوال، استدعاؤها، وتنزيل هذه المحكمات على النوازل والحادثات. ومن أمثلة هذه المحكمات، التي توجه موارد النظر، وتجلي المشتبهات:
وقال: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 89]
وقال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109] وقال: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9]
وكثير من (الإسلاميين) يقع في قطيعة غير مقصودة، عند احتدام الأمور، فيصغي إلى التحليلات، والآراء الصادرة من قوم لم يتضلعوا من الوحيين، ولم يستنيروا بفهم السلف الصالح، ويحتفي بأقوالهم، ولا يكلف نفسه إمعان النظر، واستنباط المخزون العلمي، والإيماني، الذي تربى عليه، وظل يربي الآخرين عليه!
ومن أحسن الأمثلة لهذا الاستدعاء الإيماني، إذا ادلهمت الخطوب، ما سطره يراع شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، حين هجم التتار على بلاد الشام، فنظَّر ما جرى، على ما أودع الله سورة الأحزاب، من المحكمات، والدلالات.