فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 208""""""
مبالاةً بذلك ، بل ثبت ثباتًا شديدًا ، وكانت والدته تشد منه وتقوي مُنته وتُشرف على الحرب بنفسها وتحسن إلى من أبلى ، فلما رأى البربر شدة عزمه وثباته ، فت ذلك في أعضادهم ، وانحلوا عن إدريس بن يحيى ، ورأوا أن يبعثوا إلى سبتة وطنجة إلى البرغواطيين اللذين ذكرنا ، وقد كان جعل ابنه عندهما في حضانتهما ، فلما وصل إليهما أظهرا تعطيمه ومخاطبته بالخلافة ، الا أن الأمر كله لهما دونه ، فتوصل إليه قوم من أكابر البربر وقالوا له: إن هذي العبدين قد غلبا عليك ، وقد حالا بينك وبين أمرك ، فأذن لنا نكفك أمرهما ، فأبى ، ثم أخبرهما بذلك فنفيا أولئك القوم ، وأخرجا إدريس بن يحيى عن أنفسهما إلى الأندلس ، وتمسكا بولده لصغره إلا أنهما في كل ذلك يخطبان لإدريس بالخلافة . ثم إن محمد بن إدريس أنكر من أخيه الملقب بالسامي أمرًا فنفاه إلى العدوة ، فصار في جبال غُمارة وهي بلاد تنقاد لهؤلاء الحسنيين ، وأهلها يعظمونهم جدًا . ثم إن البرابر خاطبوا محمد بن القاسم بالجزيرة ، واجتمعوا إليه ووعدوه بالنصر ، فاستفزه الطمع وخرج إليهم ، فبايعوه بالخلافة وتسمى بالمهدي ، فصار الأمر في غاية الأُخلوقة والفضيحة ( 1 ) ؛ أربعة كلهم يسمى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخًا في مثلها ، فأقاموا معه أيامًا ثم افترقوا عنه إلى بلادهم ، ورجع خاسئًا إلى الجزيرة ، ومات إلى أيام ، وقيل إنه مات غمًا . وترك نحو ثمانية ذكور ؛ فتولى أمر الجزيرة ابنه القاسم بن محمد بن القاسم ، إلا أنه لم يتسم الخلافة ، وبقي محمد بن إدريس بمالقة إلى أن مات سنة خمس وأربعين وأربعمائة ؛ وكان إدريس بن يحيى المعروف بالعالي عند بني يفرن بتاكرنا ، فلما توفي محمد بن إدريس ردته العامة إلى مالقة واستولى عليها . [ قال الحميدي ] : هذا آخر ما استفدنا أكثره من شيخنا أبي محمد علي بن أحمد رحمه الله ، وعلمناه نحن ، من جُمل أخبار من ذكرنا من ملوك تلك البلاد إلى وقت خروجنا منها ( 2 ) .