بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله ربِّ العالمين، وصَلَّى الله وسَلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصَحْبِهِ أجمعين .. ... أمَّا بَعد:
فَقَدْ عَلِمْتُ أنه كَثُر في وقتنا اقتناءُ بعضِ أصنافِ الطيور، خاصة ذوات الألوانِ الزاهية والأصواتِ الحسَنَةِ حتى إنه صَارَ لَها مَواضع خاصة يُتَاجر بِهَا، وأنها تُسْتجلب مِنْ بُلدانٍ بعيدةٍ لغرض إمتاعِ النَّظَرِ والسَّمْعِ، فتُحْبَسُ في أقفاصٍ في البيوتِ ومَحَلاَّتِ البيع، وكأنَّهَا جَمَادَاتٌ لا إحساس لَهَا ولا شُعور!.
وكَعَادَةِ بعضِ أهلِ وَقْتِنَا إذا أرادوُا فِعْلَ شَيْء مِمَّا أُحْدِثَ ولَمْ يَكُن له مثيلٌ سابق فإنهم يَسْتفتون، وليس الشأنُ أنْ يَسْتفْتُوا فيُفْتوُا لِأَنَّ هذا كثُر جِدًا وكثر أهله لإضْفاءِ الشَّرعية على كلِّ شيءٍ، وإنما الشأن هل هذه الفتوى حقٌّ أمْ لاَ؟!.
فالذين يُفْتون ويُسَوِّغون حبسَ الطيور ونحوها يَسْتدلون بأدلةٍ يغصبونها لِمُجَارَاتِ مَا أُحْدِثَ في وقتنا مثل استدلالهم بِحَدِيثِ المرأةِ التي حَبَسَتْ هِرَّة [1] ، وأنَّ العِلَّة أنَّ المرأةَ لَمْ تُطْعِم الْهِرَّةَ ولم تَسْقِها، وهو واللهِ مُخِيفٌ وكافٍ في الرَّدع والزجر عن ظُلْمِ هذه الْمَخلُوقَات.
والذي في هذا الحديث الشريفِ خَبَرٌ من النبي - صلى الله عليه وسلم - بِحَادثةٍ حَاصِلَةٍ، وفي ضِمْنهِ التحذير أنْ يفعل أحدٌ مثل هَذا الفِعْل.
(1) حيث أخرج البخاري في «صحيحه» برقم (3295) ، ومسلم في «صحيحه» برقم (2242) عن عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (عُذِّبت امرأة في هرة سَجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) ؛ وفي رواية أخرى عند مسلم برقم (2619) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (دَخَلَت امرأة النارَ في هِرَّة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت هزلًا) .