فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 78""""""
إلى أوطانها مشتاقة وإلى مولدها تواقة . وحدثنا بعض بني هاشم قال: قلت لإعرابي: من أين أقبلت ؟ قال: من هذه البادية ، قلت: وأين تسكن منها ؟ قال: مساقط الحمى حمى ضرية ما إن لعمر الله أريد بها بدلًا ولا أبتغي عنها حولًا حفتها الفلوات فلا يملولح ماؤها وتحمى تربتها ليس فيها أذى ولا قذى ولا وعك ولا لوم ونحن بارفه عيش وأوسع معيشة وأسبغ نعمة . قلت: ما طعامكم ؟ قال: بخ بخ الهبيد والضباب واليرابيع مع القنافذ والحيات وريثما والله أكلنا القد واشتوينا الجلد فلا نعلم أحدًا أخصب منا عيشًا ، فالحمد لله على ما رزق من السعة وبسط من حسن الدعة . وقيل لإعرابي: كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شئ ظله ؟ فقال: وهل العيش إلا ذاك ؟ يمشي أحدنا ميلًا فيرفض عرقًا كأنه الجمان ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساه وتقبل الرياح من كل جانب فكأنه في إيوان كسرى . وقال بعض الحكماء عسرك في بلدك خير من يسرك في غربتك . وقيل لإعرابي: ما الغبطة ؟ قال: الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان ، وقيل: فما الذل ؟ قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان . وقال بعض الأدباء: الغربة ذلة والذلة قلة ، وقال الآخر: لا تنهض عن وطنك ووكرك فتنقصك الغربة وتصمتك الوحدة . وشبهت الحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أم تر أمه ولا أب يحدب عليه . وكان يقال: الغريب عن وطنه ومحل رضاعه كالفرس الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر . وكان يقال: الجالي عن مسقط رأسه كالعير عن موضعه الذي هو لكل رام رمية ، وأحسن من ذلك وأصدق قول الله عز وجل: ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء . وقال تعالى: ولو أنما كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ، فقرن جل ذكره الجلاء عن الوطن بالقتل ، وقال تقدست أسماؤه: وما لنا إلا أن نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ، فجعل القتال بازاء الجلاء ، قال ( صلى الله عليه وسلم ) : الخروج عن الوطن عقوبة ، ومما قيل في ذلك من الشعر: إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي . . . وأضحى فؤادي نهبة للهماهم