الصفحة 2 من 17

هذا فتى مات في ريعان شبابه اختطفه الموت وهو أوسع الناس أملًا في العيش وأكثرهم رجاءً في متاع الحياة الدنيا،مات على إسراف منه بالمعاصي،فماذا عساه أن يقول لأبيه المفرّط في تربيته لو لقيه في هذه الدنيا لعله أن يقول:ياأبتي لقد رأيت ثمار ذنوبي وهي آثار تربيتك رأيت هذه الثمار نارًا تلظى وجحيمًا لا يطاق،يا أبتي لقد كنت في حياتي تُعنى كثيرًا بلباسي ومأكلي ومشربي ولكنك لم تكن تُعنى بقلبي وروحي لقد أهملتني في بداية مراهقتي،فلم توجهني إلى أصدقاء صالحين،لم تكن تهتم بما أصاحب من أقاربي وجيراني وزملاء دراستي،لقد كانت فترة التأثير المثالي هي ما بين سن السابعة إلى سن الخامسة عشر وكنت تعلم وقتها ياأبتي أن هذه المرحلة هي مرحلة تصويب الولد نحو الهدف الصحيح،كنتُ أنا السهم وكنتَ أنت اليد والقوس والوتر،في هذه المرحلة كنا يا أبتي نتلقن كل شيء ونحب كل شيء ونستطلع كل شيء،في هذه المرحلة كنا نقلب أنواع الأصدقاء في معرض الدنيا العريض،أيهم ننتقي وأيهم نقتني وأيهم نصاحب،كنا في هذه المرحلة العجيبة عجينةً غضةً طيّعة تستطيع توجيهنا الوجهة الصالحة،يا أبتي لكنك كنت وقتها تقضي أكثر أيام أسبوعك في الاستراحة مع الأصدقاء أو مع الزملاء أو مع الأقارب وفي مرات كنت تتابع تجاراتك التي لم تزد من سعادتك بل أحالت وجهك البشوش إلى صحراء من العبوس والغبرة والتشاؤم لم تكن يا أبتي تهتم باهتمامات مباحة لذلك كُنت أبحث عنها عند أيّ أحد مهما كان مقصده في توفيرها لي،ثم إنك جعلت علاقتي بك كعلاقة مدير مؤسسة فاشل بمرؤسيه،كانت علاقة الغطرسة والرسمية حتى أصاب علاقتي معك جفافًا وجفاءً وفجوة فلم أعد أقبل منك توجيهًا ولا نصيحة بسبب هذا الجفاء،ياأبتي لوأنك جعلتني صديقًا من أصدقائك لكان تأثيرك فيّ أكبر ولكنك كنت تعتبر هذه الصداقة مع أولادك ضربًا من التنازل الذي لا يليق برئيس مؤسسة محترمةٍ على حد زعمك، يا أبتي لو كنت أستطيع أن أقول غفر الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت