الصفحة 4 من 17

وهذا رجل تقلّب في مناصب مؤسسة خاصة أو عامة،كان في هذه الدائرة ملئ السمع والبصر،امتلأت ردهاتها بآماله العراض بل كادت لا تتسع لتلك الآمال ولقد فاجئه الموت وهو أوسع الناس أملًا وحرصًا ومزاحمة،كان يدخل دائرته التي اعتاد الدخول إليها كل صباح بنفس متوثبة متفائلة متطلعة إلى مستقبل وظيفي أكبر،لم يكن حين ذاك يفكر بالموت ولا ما بعده من هولٍ وعذاب ،فلو دخل دائرته بعد خروجه من قبره وتذكر وهو يلملم أكفانه المغبرة كم كان في دنياه في غرور،وكم كانت الأماني تضرب به في كل واد دون أن يفكر في حفرة القبر التي أودع فيها رهين عمله،لقد كان يتبختر في هذه الممرات بثيابٍ جديدة جميلة،لو وقعت عليها خردلة من غبار لنفضها بسبابته وهو الآن يلملم أكفانًا بالية بلغ الغبار والنتن منها كل مبلغ ولعله لو مرّ بقسم الترقيات في دائرته لتذكر،كم كانت تزهق النفوس وتشرأب الأعناق للحصول على مرتبةٍ أو علاوة،بل ربما بذل دينه ومروءته من أجل ترقيةٍ أو علاوة وقد أيقن الآن ولكن بعد فوات الآوان أن رفعة الدرجات إنما هي عند الله وحده وأن علو مقام المرء إنما هو في قربه من الله وتمام عبوديته له،أما العبودية للدنيا فلا تزيده إلا حسرة وندامة وتشتتًا ولعله لو مر بغرفة بعض موظفيه لوجد هذا الموظف على عادته في الوشاية بزملائه ووضع العراقيل أمام أعمالهم ومشاريعهم حتى لا يظهر لهم نجم ولا يعلو لهم شأن ولا يعم لهم نفع وحتى لا يسبقوه بحسن رأي ولا جودة عمل فماذا عساه أن يقول لهذا الموظف لو رآه واستطاع أن يتكلم لعله أن يقول:هب أنك نافست مثل ما كُنتُ أنافس بالحلال والحرام فسبقت أقرانك وبرزت أترابك أليست سنياتٍ معدودة إن مُّد لك أجل ثم تأول بك الحال إلى عالم التقاعد حيث ينفض عنك أهل المصالح وتصير في عالم النسيان،هذا مآل الوظيفة في الدنيا أما مآلها في الآخرة فحفرة القبر الموحشة حيث لا أنيس إلا عملٍ صالح،ولعله أن يقول:كنا سمي المتورعين عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت