فهرس الكتاب
هؤلاء جن وشياطين يعتقدهم ملائكة. وكذلك الذين يدعون الكواكب وغيرها من الأوثان تتنزل على أحدهم روح يقول: هى روحانية الكواكب، ويظن بعضهم أنه من الملائكة وإنما هو من الجن والشياطين يغوون المشركين.
والشياطين يوالون من يفعل ما يحبونه من الشرك والفسوق والعصيان. فتارة يخبرونه ببعض الأمور الغائبة ليكاشف بها. وتارة يؤذون من يريد أذاه بقتل وتمريض ونحو ذلك.
/وتارة يجلبون له من يريده من الإنس.
وتارة يسرقون له ما يسرقونه من أموال الناس من نقد وطعام وثياب وغير ذلك، فيعتقد أنه من كرامات الأولياء وإنما يكون مسروقًا.
وتارة يحملونه في الهواء فيذهبون به إلى مكان بعيد. فمنهم من يذهبون به إلى مكة عَشِيَّة عرفة ويعودون به فيعتقد هذا كرامة، مع أنه لم يحج حج المسلمين: لا أحرم ولا لبَّى، ولا طاف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ومعلوم أن هذا من أعظم الضلال.
ومنهم من يذهب إلى مكة ليطوف بالبيت من غير عمرة شرعية، فلا يحرم إذا حاذى الميقات. ومعلوم أن من أراد نسكًا بمكة لم يكن له أن يجاوز الميقات إلا محرمًا، ولو قصدها لتجارة أو لزيارة قريب له أو طلب علم كان مأمورًا أيضًا بالإحرام من الميقات، وهل ذلك واجب أو مستحب؟ فيه قولان مشهوران للعلماء. وهذا باب واسع.
ومنه السحر والكهانة، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. وعند المشركين عباد الأوثان ومن ضاهاهم من النصارى ومبتدعة هذه الأمة في ذلك من الحكايات ما يطول وصفه، فإنه ما من أحد يعتاد دعاء الميت والاستغاثة به نبيًا كان أو غير نبى إلا وقد بلغه من ذلك ما كان من أسباب ضلاله؛ كما أن الذين يدعونهم في مغيبهم ويستغيثون بهم فيرون من يكون في صورتهم، أو يظنون أنه في صورتهم ويقول: أنا فلان ويكلمهم ويقضى بعض حوائجهم، فإنهم يظنون أن الميت المستغاث به هو الذى كلمهم وقضى مطلوبهم، وإنما هو من الجن والشياطين.
/ومنهم من يقول: هو ملك من الملائكة، والملائكة لا تعين المشركين وإنما هم شياطين أضلوهم عن سبيل الله.
وفى مواضع الشرك من الوقائع والحكايات التي يعرفها من هنالك ومن وقعت له ما يطول وصفه.
وأهل الجاهلية فيها نوعان: نوع يكذب بذلك كله، ونوع يعتقد ذلك كرامات لأولياء الله.
فالأول يقول: إنما هذا خيال في أنفسهم لا حقيقة له في الخارج، فإذا قالوا ذلك لجماعة بعد جماعة، فمن رأى ذلك وعاينه موجودا أو تواتر عنده ذلك عمن رآه موجودًا في الخارج وأخبره به من لا يرتاب في صدقه، كان هذا من أعظم أسباب ثبات هؤلاء المشركين المبتدعين المشاهدين لذلك، والعارفين به بالأخبار الصادقة.
ثم هؤلاء المكذبون لذلك متى عاينوا بعض ذلك، خضعوا لمن حصل له ذلك وانقادوا له واعتقدوا أنه من أولياء الله، مع كونهم يعلمون أنه لا يؤدى فرائض الله حتى ولا الصلوات الخمس، ولا يجتنب محارم الله؛ لا الفواحش ولا الظلم، بل يكون من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى التي وصف الله بها أولياءه في قوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62، 63] .
فيرون من هو من أبعد الناس عن الإيمان والتقوى له من المكاشفات والتصرفات الخارقات ما يعتقدون أنه من كرامات أولياء الله المتقين.