فهرس الكتاب
222]. وقال الآخر: وقيل له: إن /المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: قال الله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121] .
وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب [الفتوحات] أنه ألقى إليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أنواعًا من الخلوات بطعام معين وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالا بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأولياء، وإنما هو من الأحوال الشيطانية، وأعرف من هؤلاء عددًا، ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات بجُعْل يحصل له من الناس، أو بعطاء يعطونه إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك.
ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل ـ صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ـ كما يوجد في كلام صاحب [الفتوحات المكية] و [الفصوص] وأشباه ذلك يمدح الكفار، مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، ويتنقص الأنبياء: كنوح وإبراهيم وموسى وهارون، ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين: كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبدالله التستري، ويمدح المذمومين عند المسلمين: كالحلاج ونحوه كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية، فإن الجنيد ـ قدس الله روحه ـ كان من أئمة الهدى، فسئل عن التوحيد /فقال: [التوحيد] إفراد الحدوث عن القدم. فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق. وصاحب [الفصوص] أنكر هذا، وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية له: يا جنيد، هل يميز بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما؟ فخطأ الجنيد في قوله: [إفراد الحدوث عن القدم] ، لأن قوله هو: إن وجود المحدث هو عين وجود القديم، كما قال في فصوصه: [ومن أسمائه الحسنى [العلي] على من؟ وما ثم إلا هو، وعن ماذا؟ وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه وهو عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاته وليست إلا هو] إلى أن قال:
[هو عين ما بطن وهو عين ما ظهر، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات] .
فيقال لهذا الملحد: ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم والقول أن يكون ثالثا غيرهما، فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه وغيره، وليس هو ثالث، فالعبد يعرف أنه عبد ويميز بين نفسه وبين خالقه، والخالق جل جلاله يميز بين نفسه وبين مخلوقاته، ويعلم أنه ربهم وأنهم عباده، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع، والاستشهاد بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطنًا وظاهرًا، وأما هؤلاء الملاحدة /فيزعمون ما كان يزعمه التلمساني منه ـ وهو أحدقهم في اتحادهم ـ لماقرئ عليه [الفصوص] فقيل له: القرآن يخالف فصوصكم، فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا، فقيل له: فإذا كان الوجود واحدًا فلم كانت الزوجة حلالا والأخت حرامًا؟ فقال: الكل عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا حرام عليكم.
وهذا مع كفره العظيم متناقض ظاهر، فإن الوجود إذا كان وحدًا فمن المحجوب ومن الحاجب؟ ولهذا قال بعض شيوخهم لمريده: من قال لك: إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له مريده: فمن هو الذي يكذب؟ وقالوا لآخر: هذه مظاهر، فقال لهم: المظاهر غير الظاهر أم هي؟ فإن كانت غيرها فقد قلتم بالنسبة وإن كانت إياها فلا فرق.
وقد بسطنا الكلام على كشف أسرار هؤلاء في موضع آخر، وبينا حقيقة قول كل واحد منهم، وإن صاحب [الفصوص] يقول: المعدوم شيء، ووجود الحق فاض عليه، فيفرق بين الوجود والثبوت. والمعتزلة الذين قالوا: المعدوم شيء ثابت في الخارج مع ضلالهم خير منه، فإن أولئك قالوا: إن الرب خلق لهذه الأشياء الثابتة في العدم وجودًا ليس هو وجود الرب. وهذا زعم أن