*وهذا أبو هريرة -رضي الله عنه- حافظ الصحابة يصفه - صلى الله عليه وسلم - بالحرص على العلم، فقد عَقَد البخاريُّ في (( صحيحه ) ): (بابٌ الحرصُ على الحديث) وذكر فيه حديثَ أبي هريرة -رضي الله عنه- وسؤاله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أسْعد الناس بشفاعته؟ وقوله له: (( لقد ظننتُ يا أبا هريرةَ أن لا يسألني عن هذا الحديثِ أحدٌ أوَّلَ منكَ، لِمَا رأيتُ من حِرْصِكَ على الحديثِ... ) ).
*وهذا جابر بن عبدالله الأنصاري -رضي الله عنهما- يرحل من المدينة النبوية إلى مصر -مَسِيرة شهر على البعير- من أجل سماع حديثٍ واحد، خاف أن يموتَ ولم يَسْمَعْه. أخرجه أحمد: والبخاري في (( الأدب المفرد ) ): وعلَّقه مجزومًا به في (( الصحيح ) )، والحاكم: والخطيب: من طريق عبدالله ابن محمد بن عقيل عن جابرٍ به، وابن عقيلٍ مُتكلَّم فيه من قِبَل حفظه. وله طريق أخرى عن الحجَّاج بن دينار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به. أخرجه الطبراني قال الحافظ (( إسناده صحيح ) ). وله طريق ثالثة عن أبي الجارود العبسي عن جابر. أخرجه الخطيب وضعفه الحافظ
* وأخرج الدارمي بسندٍ صحيح عن عبدالله بن بريدة: (( أن رجلًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - رحلَ إلى فَضَالَة بن عُبيد وهو بمصر، فقدمَ عليه، فقال: أما إني لم آتِكَ زائرًا، ولكن سمعتُ أنا وأنتَ حديثًا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجوتُ أن يكون عندك منه علم...
* شيء مما جاء عن السَّلف
وهكذا كان ذلك الجيل الفريد قدوة لمن بعدهم، في عكوفهم على العلم، وطلبهم للاستزادة منه، فاحتذوا حذوهم، واقتفوا أثرهم، وشواهد ذلك ماثلة:
قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيتُ أحفظَ منه (أي: سفيان الثوري 161) كنتُ إلا سألته عن مسألةٍ أو عن حديثٍ ليس عنده، اشتدَّ عليه.