فهرس الكتاب
قوله (لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك) أي لا يكفي ذلك لبلوغ الرتبة العليا حتى يضاف إليه ما ذكر. وعن بعض الزهاد: تقدير الكلام لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه الهلاك. وقد قدمت تقرير هذا في أوائل كتاب الأيمان. قوله (فقال له عمر فإنه الآن يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي , فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر) قال الداودي: وقوف عمر أول مرة واستثناؤه نفسه إنما اتفق حتى لا يبلغ ذلك منه فيحلف بالله كاذبا , فلما قال له ما قال تقرر في نفسه أنه أحب إليه من نفسه فحلف , كذا قال. وقال الخطابي: حب الإنسان نفسه طبع , وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب , وإنما أراد عليه الصلاة والسلام حب الاختيار إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. قلت: فعلى هذا فجواب عمر أولا كان بحسب الطبع , ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والأخرى فأخبر بما اقتضاه الاختيار , ولذلك حصل الجواب بقوله"الآن يا عمر"أي الآن عرفت فنطقت بما يجب. وأما تقرير بعض الشراح الآن صار إيمانك معتدا به , إذ المرء لا يعتد بإيمانه حتى يقتضي عقله ترجيح جانب الرسول. ففيه سوء أدب في العبارة , وما أكثر ما يقع مثل هذا في كلام الكبار عند عدم التأمل والتحرز لاستغراق الفكر في المعنى الأصلي , فلا ينبغي التشديد في الإنكار