فهرس الكتاب
وإذا وجد حسن الفهم، وقوة اليقين تحققت البداية الصحيحة للانطلاقة الإيجابية لتغيير واقع الأمة وتربية نشئها وصناعة أجيالها .
والمتأمل في عموم أحوال المسلمين يستطيع أن يقول: إن من أعظم أسباب الزيغ في الفكر، والقسوة في القلب، والانحراف في السلوك، وعدم التأثر بالقرآن، لضعف أو انعدام الصلة به، ولعدم أو سوء الفهم له، ولقلة أو ضعف اليقين به، ولقد كان القرآن في حياة الأمة قلبها النابض، ولسانها الناطق، وحُكمها القاطع، ومرجعها الدائم، كان دوّيه يتردد في محاريب المساجد في الصلاة، وعلى صهوات الجياد في الجهاد، وكان حفظه وفهمه والعمل به هو جوهر الإسلام وحقيقته.
ومن ثم تعلق به الصحابة حتى قال ابن مسعود:"ما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، وفيمن نزلت، ومتى نزلت، وهل نزلت بليل أو نهار أو بسفر أو حضر، ولو كنت أعلمُ أحدًا أعلمُ مني بكتاب الله تضرب إليه أكباد الإبل لرحلت إليه"، فها هي الصلة وطيدة بكل شيء متعلق به، أما العلم والعمل فها هو عبد الرحمن السلمي يخبرنا فيقول:"كان الذين يقرؤوننا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتجاوزون بنا العشر من الآيات حتى نعرف ما فيها من العلم والعمل فتعلمنا العلم والعمل معًا".
نعم ذلك هو جيل القرآن جيل التلقي للتأثر، جيل العلم والعمل، جيل الدعوة والتعليم، والصحوة والدعوة لن يتم لها مرادها ولن تبلغ مقاصدها وهي بعيدة عن منبع الهدى، فهل من صلة دائمة؟ وهل عودة صادقة؟ وهل من معرفة واعية؟ لا مناص من ذلك إن أردنا الخير والفلاح.
ويضيف الدكتور محمد عبد اللطيف البنا:
ليس القرآن الكريم مجرد كتاب، وإنما هو إعجاز وتنزيل من رب العالمين للناس كافة يقول تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".
ونزل القرآن الكريم لهداية الناس:"ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
كما أنه نزل بالتحدي والإعجاز، ومهما ذهب علماء علوم القرآن والقراءات والفقه والأصول فلن يقفوا على كل معانيه، لأن معانيه لا تنتهي أبدا وهي متعددة بتعدد خشوع من يقرأ ومن يتدبر، وليس المهم لدى الفرد الواحد أن يقف على كل معنى توصل له الناس، ولكن المهم هنا هو الوقوف على كيفية معايشة كتاب الله تعالى، والوقوف عند حدود الله عز وجل.
ولهذا الأمر عدة ضوابط في الفرد نفسه حتى يصل للمطلوب منه، كي يعيش بالقرآن الكريم:
أولا: الأدب مع كتاب الله تعالى:
ويتم هذا باحترام كتاب الله عز وجل وعدم امتهانه، كما يتم ذلك بالوضوء له، والاستعداد له، وأقصد بالاستعداد حسن التهيؤ للقراءة بلبس أفضل الثياب، والبعد عن