فهرس الكتاب
وقوله تعالى في سورة أخرى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 38 - 44] .
فجعل مصيرهم النار؛ لأنهم أضاعوا حق الله بإضاعة الصلاة، وأضاعوا حق عباده؛ إذ لم يطعموا المسكين.
وإطعام المسكين كناية عن رعاية ضروراته وحاجاته؛ إذ لا معنى لأن نطعم المسكين وندعه مشردًا بلا مأوى، أو عريانًا بلا كسوة، أو مريضًا بلا علاج.
ولم يكتف القرآن بإيجاب إطعام المسكين، بل زاد على ذلك فأوجب الحض على إطعامه، والحث على رعايته، وجعل إهمال ذلك من دلائل الكفر والتكذيب بالدين: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: 1 - 3] .
ويجعل ذلك مع الكفر بالله من موجبات العذاب الأليم، واصطلاء الجحيم. فيقول في شأن أصحاب الشمال ممن أطغاه ماله وسلطانه، فلم يغن عنه من الله شيئًا: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} [الحاقة: 30 - 33] ، ثم يذكر أسباب هذا الحكم الشديد، فيقول: {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 33 - 34] .
ويزيد على ذلك فيوجب في المال حقًا معلومًا، ليس بصدقة تطوعية، ولا بإحسان اختياري، من شاء أداه ومن شاء تركه، بل"حق"-أي"دين"- في عنق المكلفين، وحق معلوم غير مجهول، كما في قوله تعالى في وصف المتقين: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19] .
وفي سورة أخرى يصف الحق بالمعلومية فيقول: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24 - 25] .
وفي الحديث عن الزروع والثمار، والجنات المعروشات وغير المعروشات، يقول سبحانه: {كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ، وهذا الحق هو الزكاة التي فرضت في مكة غير محددة ولا مفصلة.
كل هذا في القرآن المكي؛ فلما أصبح للمسلمين دولة وسلطان، حددت أنصبة الزكاة ومقاديرها بوضوح، وبعث السعاة ليجمعوها من أهلها ويصرفوها في محلها. وهم الذين سماهم القرآن:"العاملين عليها"، وجعل لهم نصيبًا من حصيلة الزكاة نفسها، ضمانًا لحسن تحصيلها وتوزيعها.
ووصل الإسلام بهذه الفريضة المالية إلى أعلى درجات الإلزام الخلقي والتشريعي فجعلها ثالث أركان الإسلام، وأوجب أخذها كرهًا، إن لم تدفع طوعًا، ولم يتردد في قتال من منعوها إذا كانوا ذوي شوكة وقوة.
وهذا التكافل المادي أو المعيشي ليس هو كل ما طلبه الإسلام في هذا المجال، بل هناك أنواع أخرى من التكافل، ذكرها العلامة الفقيه الداعية الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله- وجعلها بالتكافل المعيشي عشرة كاملة.
ـــــــــــــــــــ
الاسم