فهرس الكتاب
إن الحياء خلق حميد، يمنع صاحبه عن الوقوع فيما لا يليق، وحبيبنا صلى الله عليه وسلم أخبر أنه شعبة من شعب الإيمان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) .
ومما قاله الإمام ابن القيم رحمه الله: (.. حقيقة الحياء أنه خُلق يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق، والحياء يكون بين العبد وبين ربه عز وجل فيستحي العبد من ربه أن يراه على معصيته ومخالفته، ويكون بين العبد وبين الناس) .
فالحياء بين العبد وربه، هو ما يفهم من الحديث الذي جاء في سنن الترمذي مرفوعًا أن النبي قال: { استحيوا من الله حق الحياء } . قالوا: إنا نستحي يا رسول الله. قال: { ليس ذلكم. ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى. ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء } .
وقد بيّن الحديث علامات الحياء من الله عز وجل أنها تكون بحفظ الجوارح عن معاصي الله، وبتذكر الموت، وتقصير الأمل في الدنيا، وعدم الانشغال عن الآخرة بملاذ الشهوات والانسياق وراء الدنيا.
والحياء بين العبد وبين الناس، هو الذي يكف العبد عن فعل ما لا يليق به، فيكره أن يطلع الناس منه على عيب ومذمة فيكفه الحياء عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق. فالذي يستحي من الله يجتنب ما نهاه عنه في كل حالاته، في حال حضوره مع الناس وفي حال غيبته عنهم.
وهذا حياء العبودية والخوف والخشية من الله عز وجل وهو الحياء المكتسب من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وهذا الحياء من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان. كما في الحديث: { الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك } والذي يستحي من الناس لا بد أن يكون مبتعدًا عما يذم من قبيح الخصال وسيء الأعمال والأفعال، فلا يكون سبابًا، ولا نمامًا أو مغتابًا، ولا يكون فاحشًا ولا متفحشًا، ولا يجاهر بمعصية، ولا يتظاهر بقبيح.
فحياؤه من الله يمنعه من فساد الباطن، وحياؤه من الناس يمنعه من ارتكاب القبيح والأخلاق الدنيئة، وصار كأنه لا إيمان له. كما قال النبي: { إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت } [ رواه البخاري] .
ومعناه إن لم يستح صنع ما شاء من القبائح والنقائص، فإن المانع له من ذلك هو الحياء وهو غير موجود، ومن لم يكن له حياء انهمك في كل فحشاء ومنكر.
وعن سلمان الفارسي قال: ( إن الله إذا أراد بعبده هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتًا ممقتًا. فإذا كان مقيتًا ممقتًا نزع منه الأمانة، فلم تلقه إلا خائنًا مخونًا. فإذا كان خائنًا مخونًا نزع منه الرحمة، فلم تلقه إلا فظًا غليظًا. فإذا كان فظًا غليظًا نزع ربقة الإيمان من عنقه، فإذا نزع ربقة الإيمان من عنقه، لم تلقه إلا