فهرس الكتاب
"سبحان الله، ظاهرك متجمِّلٌ بلباس التقوى، وباطنك باطيةٌ لخمر الهوى، فكلَّما طيَّبت الثوب فاحت رائحة المسكر من تحته فتباعد منك الصادقون، وانحاز إليك الفاسقون" (الباطية هو الإناء الذي تشرب فيه الخمر) .
إنَّهم يتظاهرون بالتقوى ولكنَّ قلوبهم مملوءةٌ بحبِّ غير الله، وقد اتَّخذوا أهواءهم آلهةً من دون الله، وكلُّ إناءٍ بما فيه ينضح.
2-تقديم العمل على المظاهر:
إنَّهم يعلمون حقَّ العلم بأنَّه ما من آيةٍ في القرآن الكريم ذكرت الإيمان إلا وقرنته بالعمل، ويعلمون بأنَّه لن يُنجِي العلم من غير عمل، ولا المظاهر من غير عمل، فإنَّ الله لا ينظر إلى القلوب، وإذا عمرت القلوب بحبِّ الله دفعها للعمل، وإذا ما عمل الإنسان طفح أثر العمل على الجوارح، وكان إمام التابعين الحسن البصريِّ يؤذيه رؤية ذلك الصنف من الناس الذين يهتمُّون بمظاهرهم على العمل، ويظنُّون أنَّ ذلك من التقوى، فقد رأى يومًا فرقد السنجيَّ وعليه جبَّة صوف، فأخذ بجبَّته ثمَّ قال:"يا بن فرقد -مرَّتين أو ثلاثة- إنَّ التقوى ليست في الكساء، إنَّما التقوى ما وقر في القلب، وصدَّقه العمل والفعل".
3-الاهتمام بتقوية القلب:
إنَّهم يتَّجهون أوَّلًا لتقوية القلوب، فالقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح سائر الجسد، ولا يصلح الظاهر حتى يصلح الباطن، وما أجمل ما كان يقول الواعظ يحيى بن معاذ:"عملٌ كالسراب، وقلبٌ من التقوى خراب، وذنوبٌ بعدد الرمل والتراب، ثمَّ تطمع في الكواعب الأتراب؟ هيهات، أنت سكرانٌ بغير شراب، ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلَّك لو بادرت أجلك، ما أقواك لو بادرت هواك".
فما كمال العقل إلا بمعرفة أهمِّيَّة الوقت، والمبادرة قبل انقضائه بقيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعته فيما لا يرتفع إلى السماء.
4-الاهتمام بالعلم والعمل:
فالتقوى هي العاصمة من كل قاصمة، ومن كلِّ فتنةٍ عاصفة، ولا يمكن أن تثبت حقيقة التقوى من غير علمٍ وعملٍ وإخلاص، وقد نصح التابعيُّ الجليل والزاهد البصريُّ الكبير طلق بن حبيب أتباعه باتِّقاء الفتن بالتقوى فقال:"اتَّقوها بالتقوى"، فقيل له: صف لنا التقوى، فقال:"العمل بطاعة الله، على نورٍ من الله، رجاء ثواب الله، وترك معاصي الله على نورٍ من الله، مخافة عذاب الله".
ونور الله هو العلم، ورجاء ثواب الله أي ابتغاء وجه الله بالعمل، والإخلاص له، دون رجاء الثواب من غيره من المخلوقين، وترك المعاصي بالعلم مخافة عذاب الله وليس مخافة البشر أو بانتظار ثنائهم.
ومن اتَّصف بهذه الصفة، وهذا العمل المكمِّل للعمل، وابتغاء وجه الله في ذلك فإنَّه يكون في مأمنٍ من الفتن، وإنَّما يقع في الفتنة من جهل، وقلَّت مخافته من الله تعالى، وابتغى غير وجه الله في عمله.
5-تنقية الطمع والغضب:
وهي من أبرز صفات المتَّقين، حيث إنَّهم يمارسون التوحيد الخالص لله تعالى، ولا يُدخِلون إلى قلوبهم أحدٌ غيره، كما قال أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وجعلها