الصفحة 11749 من 35630

وابتغاء غير وجهه سبحانه، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول:"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزيَّنوا للعرض الأكبر".

7-كراهية الثناء:

فالمتَّقي لله تعالى، لا يبتغي وجهًا سواه، ولا يطمع بشيءٍ سوى ما عنده من الجنَّة و الرضى والأجر العظيم، وكلُّ ما دون ذلك لا يساوي في عينيه شيئًا مهما قيل عنه وأثني عليه، فهو أعلم الناس بنفسه، وبالتالي تراه لا يحرص على ثناء الآخرين، ويتضايق منه لأنَّه يخشى أن يسبب له انتفاخًا ينسيه فضل الله عليه، وأن يكله إلى نفسه.

وكان التابعيُّ الجليل ميمون بن مهران من هذا الصنف من المتَّقين الذين يكرهون الثناء خوفًا على أنفسهم، فقد جاء رجلٌ وقال له: يا أبا أيُّوب، ما يزال الناس بخيرٍ ما أبقاك الله لهم، فردَّ عليه حالا:"أقبِل على شأنك، ما يزال الناس بخيرٍ ما اتَّقوا ربَّهم".

ولذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الثناء، وأمرنا بحثو الرمل في وجوه المدَّاحين، إلا إذا أمنت من انتعاش الممدوح، وكان الهدف من ذلك تشجيعًا على بعض أخلاقه، أو تثبيت ذلك الخلق في نفسه، كما مدح الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكرٍ وعمر وغيرهما ممَّن يعلم أنَّ المدح لا يؤثِّر فيهم.

يجعل له مخرجا:

فإذا ما حقَّق المؤمن الشرط الأوَّل للمعادلة بتحقيق التقوى في نفسه، حقَّق له الشطر الثاني من المعادلة، بأن يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب.

يقول الإمام ابن الجوزيّ:"تأمَّلت قوله تعالى:"فمن اتَّبع هداي فلا يضلُّ ولا يشقى"،قال المفسِّرون:"هداي": رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابي، فوجدتُّه على الحقيقة أنَّ كلَّ من اتَّبع القرآن والسنَّة وعمل بما فيهما، فقد سلم من الضلال بلا شكّ، وارتفع في حقِّه شقاء الآخرة بلا شكّ، إذا مات على ذلك، وكذلك شقاء الدنيا، فلا يشقى أصلا، وبيَّن هذا قوله تعالى:"ومن يتَّقِ الله يجعل له مخرجا"فإن رأيته في شدَّة، فله من اليقين بالجزاء ما يصير الصابَ عنده عسلا، وإلا غلب طيش العيش في كلِّ حال، والغالب أنَّه لا ينزل به شدَّة، إلا إذا انحرف عن جادَّة الصواب، فأمَّا الملازم لطريق التقوى فلا آفة تطرقه، ولا بليَّة تنزل به، هذا هو الأغلب، فإن ندر من تطرقه البلايا مع التقوى فذلك في الأغلب لتقدُّم ذنبٍ يجازى عليه، فإن قدَّرنا عدم الذنب، فذاك لإدخال ذهب صبره كير البلاء، حتى يخرج تِبْرًا أحمر".

وصايا النبيِّ صلى الله عليه وسلم:

والوصيَّة لا تخرج إلا من حريص، والرسول صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على أمَّته، ولذلك جاءت وصاياه بما ينجي أمَّته، ويجعلهم في أعلى علِّيِّين يوم القيامة.

ومن هذه الوصايا ما كان يخصُّ التقوى، حيث قال في الحديث:"أوصيك بتقوى الله تعالى فإنَّه رأس كلِّ شيء"رواه الإمام أحمد، ورجاله ثقات.

يقول الإمام المناوي:"إذ التقوى وإن -قلَّ لفظها- جامعةٌ لحقِّ الحقِّ والخلق، وشاملةٌ لخير الدارين، إذ هي تجنُّب كلِّ منهيّ، وفعل كلِّ مأمور".

والوصيَّة عندما تصدر من محبّ، فهي أَولى بالاتِّباع، فكيف إذا ما صدرت من محبّ، ومن أتقى الأتقياء، وهو النبيُّ صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت