فهرس الكتاب
-موسى عليه السلام لما نزل مدين قال: (ربِّ إني لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقير) ، لم يقل: يا ربِّ لم تنزل عليَّ الخير، وإنما قال: (إني لما أنزلت إليَّ من خيرٍ فقير) فالخير قد نزل عليَّ ولكنَّني ما زلت فقيرًا.
-أيوب عليه السلام قال: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسنِّي الضرُّ وأنت أرحم الراحمين) ، لم يقل: عافني واشفني، وإنما قال: (وأنت أرحم الرَاحمين) ، كما أنه رغم أنه بقي سنين طوالًا يعاني أشكالًا من العذاب البدنيِّ والنفسيِّ والاجتماعيِّ، رغم أنَّه عانى كل ذلك إلا أنَّه لما خاطب خالقه جل وعلا وصف كل عذاباته تلك بأنها"مسٌّ"، كأنها شيئًا خفيفًا أصابه أو مسَّه، وهذا من قمة الأدب.
وغير ذلك أمثلةٌ كثيرة.
لذلك حينما نتعرَّض لهذا الحديث فإننا نتعرَّض لأهل الله تعالى وخاصته، وهم من نحتاج أن نصل إلى ما وصلوا، وأن نبلغ ما بلغوا، وهي سلعة الله تعالى الغالية.
وكي يتحقَّق كل ذلك، علينا أن نعي جيِّدًا أن الأمر لن يحدث في يومٍ وليلة، بل هو يحتاج درايةً ودُربةً وصبرًا ومصابرةً ودأبًا وجدًّا، وهو سهلٌ حين ييسره الله تعالى لمن صدق النيَّة وأحسن التوجُّه، وهو أبعد من النجوم والأفلاك حين يداخل النيّة شائبةٌ من رياءٍ أو كبرٍ أو شراكة، والله تعالى أغنى الشركاء سبحانه: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه) رواه مسلم.
لذا وجب التنبيه قبل الولوج.
والمسلم هو إنسانٌ يصيبه ما يصيب البشر، ويعتريه ما يعتريهم، فهو قد ييأس في لحظة، وقد يملُّ في أخرى، وقد يضجر في ثالثة، وقد يضيق ذرعًا حين تشتدّ عليه المصاعب والابتلاءات، فينطق قلبه قبل لسانه بعبارات التأفف، وتساؤلات الـ"لماذا"؛ لماذا أنا؟ لماذا كل هذا؟ لماذا تضيق عليَّ الدنيا؟ لماذا يعاقبني ربي؟ لماذا.. لماذا...
كل هذا شعورٌ إنسانيٌّ بشريٌّ طبيعيّ.. لا أقول أنّه واجب الوجود، ولا أبرر وجوده، ولكنني أؤكِّد أنَّه طبيعيٌّ إن ظهر وبدا، أمَّا غير الطبيعي فهو أن يتمادى الإنسان في هذا الشعور، أو أن يتعدَّى الأمر إلى أفعال تدل على الاعتراض على قضاء الله تعالى وقدره.
وغني عن الذكر أن نقول أنَّ أولياء الله تعالى وخاصته لا يعتريهم هذا الشعور، ولا يداخلهم ولو للحظة، لأنَّهم يعرفون مع من يتعاملون، وإلى من هم منتمون؛ جلَّ شأن ربنا وعزَّ.
أمَّا كيف يصل الإنسان إلى التأدُّب مع الله تعالى، فعبر إدراك النقاط التالية:
النقطة الأولى:
ما ذكرته آنفًا من أنَّ الأمر لا يوجد في النفس في يومٍ وليلة، وإنَّما هو تراكماتٌ من صدق النيَّة، وإخلاص التوجُّه لله تعالى، والصبر والمصابرة على ذلك، وإعطاء هذا وقته ومدَّته كي يتحقَّق ثمَّ يثبت في القلب.
النقطة الثانية: