فهرس الكتاب
لكنه أراد بهذا المدخل أن يقرر ويؤصل لدعوى خصوصية الحكم بأمهات المؤمنين.. وكما قلت فيما سبق، في التعليق الأول على هذا المقال، أن هذه الآية:
{ وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} ، نص صريح في وجوب تغطية الوجه لا مدفع له، وقد علم المجوزون للكشف هذه الحقيقة، فصاروا يدّعون الخصوصية، لكن الكاتب جاء بمعنى آخر، هو قصره معنى الحجاب على السترة التي تحجز الشخوص حتى لا تُرى؛ وهذه دعوى لا تسلم له.
فإن الحجاب أعم من ذلك وأشمل، فكل شيء حجز بين شيئين فهو حجاب، وعباءة المرأة وجلبابها حاجز بين النظر وبدن المرأة، ولا شك أن تسمية ذلك حجاب صواب، ومن هنا جاز تسمية الأعمى الضرير محجوبا، لكونه منع من النظر إلى الأشياء، فصار العمى حجابا بينه وبين الأشياء.. وهذا المعنى ذكره صاحب لسان العرب ـ الذي نقل عنه الكاتب ـ فقال: والمحجوب: الضرير"... 3/51"
ولو أن الكاتب قرأ قليلا بعد الموضع الذي نقل منه من اللسان لتراجع عن هذا القصر الخاطيء لمعنى الحجاب، والذي بنى عليه أن الحجاب خاص بأمهات المؤمنين، على معنى أنه لا يجوز لهن إظهار شخوصهن إلا للضرورة كما نقل ذلك عن القاضي عياض.. .... وقد ذهب إلى القول بأن الآية عامة في حق جميع النساء طائفة من المفسرين على رأسهم ابن جرير، الذي قد نقل الكاتب كلامه مجتزأ، حيث نقل آخره، وترك أوله الذي فيه التصريح بأن الآية عامة، وكان ذلك خطأ منه، فإن احتجاجه بقول ابن جرير في هذا الموضع موهم بأن ابن جرير يقول بالخصوص، وليس كذلك، وإليك كلامه بالتمام، قال ابن جرير:
"يقول: وإذا سألتم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج ) )متاعا {فاسألوهن من وراء حجاب} ، يقول من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن."
{ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} ، يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها، التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل".."
إذن، ابن جرير يرى أن الآية تشمل نساء المؤمنين، وليست خاصة بالأمهات رضوان الله عليهن، فكيف ساغ للكاتب أن يستشهد بكلامه في معرض احتجاجه على أن الآية خاصة بالأمهات؟!.
هذا وهناك جمع من المفسرين ذهبوا إلى هذا القول منهم:
-الجصاص قال:"وهذا الحكم وإن نزل خاصا في النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه، (( فالمعنى عام فيه وفي غيره ) )".
-قال القاضي ابن العربي في هذه الآية:"والمرأة كلها عورة، بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة".
-قال القرطبي:"في هذا الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مسألتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتين فيها، (( ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى ) )وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة، بدنها وصوتها".