فهرس الكتاب
وَتَقْدِيرِهِ وَلِأَنّهَا نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ بِالشّرْعِ فَلَمْ تُقَدّرْ بِالْحَبّ كَنَفَقَةِ الرّقِيقِ وَلَوْ كَانَتْ مُقَدّرَةً لَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هِنْدًا أَنْ تَأْخُذَ الْمُقَدّرَ لَهَا شَرْعًا وَلَمّا أَمَرَهَا أَنْ تَأْخُذَ مَا يَكْفِيهَا مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَرَدّ الِاجْتِهَادَ فِي ذَلِكَ إلَيْهَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ قَدْرَ كِفَايَتِهَا لَا يَنْحَصِرُ فِي مُدّيْنِ وَلَا فِي رِطْلَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا وَلَا يَنْقُصُ وَلَفْظُهُ لَمْ يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهِ وَلَا إيمَاءٍ وَلَا إشَارَةٍ وَإِيجَابُ مُدّيْنِ أَوْ رِطْلَيْنِ خُبْزًا قَدْ يَكُونُ أَقَلّ مِنْ الْكِفَايَةِ فَيَكُونُ تَرْكًا [ ص 440 ] كَانَ أَقَلّ مِنْ مُدّ أَوْ مِنْ رِطْلَيْ خُبْزٍ إنْفَاقٌ بِالْمَعْرُوفِ فَيَكُونُ هَذَا هُوَ الْوَاجِبَ بِالْكِتَابِ وَالسّنّةِ وَلِأَنّ الْحَبّ يُحْتَاجُ إلَى طَحْنِهِ وَخَبْزِهِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ فَإِنْ أَخْرَجَتْ ذَلِكَ مِنْ مَالِهَا لَمْ تَحْصُلْ الْكِفَايَةُ بِنَفَقَةِ الزّوْجِ وَإِنْ فَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَهَا مِنْ مَالِهِ كَانَ الْوَاجِبُ حَبّا وَدَرَاهِمَ وَلَوْ طَلَبَتْ مَكَانَ الْخُبْزِ دَرَاهِمَ أَوْ حَبّا أَوْ دَقِيقًا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ وَلَوْ عَرَضَ عَلَيْهَا ذَلِكَ أَيْضًا لَمْ يَلْزَمْهَا قَبُولُهُ لِأَنّ ذَلِكَ مُعَاوَضَةٌ فَلَا يُجْبَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى قَبُولِهَا وَيَجُوزُ تَرَاضِيهِمَا عَلَى مَا اتّفَقَا عَلَيْهِ .
[الِاخْتِلَافُ فِي مِقْدَارِ النّفَقَةِ عِنْدَ مَنْ قَدّرَهَا ]
وَاَلّذِينَ قَدّرُوا النّفَقَةَ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ قَدّرَهَا بِالْحَبّ وَهُوَ الشّافِعِيّ فَقَالَ نَفَقَةُ الْفَقِيرِ مُدّ بِمُدّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَنّ أَقَلّ مَا يُدْفَعُ فِي الْكَفّارَةِ إلَى الْوَاحِدِ مُدّ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ اعْتَبَرَ الْكَفّارَةَ بِالنّفَقَةِ عَلَى الْأَهْلِ فَقَالَ { فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } [ الْمَائِدَةِ 89 ] قَالَ وَعَلَى الْمُوسِرِ مُدّانِ لِأَنّ أَكْثَرَ مَا أَوْجَبَ اللّهُ سُبْحَانَهُ لِلْوَاحِدِ مُدّانِ فِي كَفّارَةِ الْأَذَى وَعَلَى الْمُتَوَسّطِ مُدّ وَنِصْفٌ نِصْفُ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ وَنِصْفُ نَفَقَةِ الْفَقِيرِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: مُقَدّرَةٌ بِمِقْدَارِ لَا يَخْتَلِفُ فِي الْقِلّةِ وَالْكَثْرَةِ وَالْوَاجِبُ رِطْلَانِ مِنْ الْخُبْزِ فِي كُلّ يَوْمٍ فِي حَقّ الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ اعْتِبَارًا بِالْكَفّارَاتِ وَإِنّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَتِهِ وَجَوْدَتِهِ لِأَنّ الْمُوسِرَ وَالْمُعْسِرَ سَوَاءٌ فِي قَدْرِ الْمَأْكُولِ وَمَا تَقُومُ بِهِ الْبِنْيَةُ وَإِنّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي جَوْدَتِهِ فَكَذَلِكَ النّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ .
[حُجَجُ الْجُمْهُورِ عَلَى عَدَمِ التّقْدِيرِ ]
وَالْجُمْهُورُ قَالُوا: لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصّحَابَةِ قَطّ تَقْدِيرُ النّفَقَةِ لَا بِمُدّ وَلَا بِرِطْلِ وَالْمَحْفُوظُ عَنْهُمْ بَلْ الّذِي اتّصَلَ بِهِ الْعَمَلُ فِي كُلّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ مَا ذَكَرْنَاهُ . قَالُوا: وَمَنْ الّذِي سَلّمَ لَكُمْ التّقْدِيرَ بِالْمُدّ وَالرّطْلِ فِي الْكَفّارَةِ وَاَلّذِي دَلّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسّنّةُ أَنّ الْوَاجِبَ فِي الْكَفّارَةِ الْإِطْعَامُ فَقَطْ لَا التّمْلِيكُ قَالَ تَعَالَى فِي كَفّارَةِ الْيَمِينِ { فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } [ ص 441 ] الْمَائِدَةِ 89 ] وَقَالَ فِي كَفّارَةِ الظّهَارِ { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِينًا } [ الْمُجَادَلَةِ 4 ] وَقَالَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى: { فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } [ الْبَقَرَةِ 196 ] وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ فِي إطْعَامِ الْكَفّارَاتِ غَيْرُ هَذَا وَلَيْسَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهَا تَقْدِيرُ ذَلِكَ بِمُدّ وَلَا رِطْلٍ وَصَحّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لِمَنْ وَطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَطْعِمْ سِتّينَ مِسْكِينًا وَكَذَلِكَ قَالَ لِلْمُظَاهِرِ وَلَمْ يَحُدّ ذَلِكَ بِمُدّ وَلَا رِطْلٍ .
[ أَقْوَالُ الصّحَابَةِ فِي الْكَفّارَةِ ]
فَاَلّذِي دَلّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسّنّةُ أَنّ الْوَاجِبَ فِي الْكَفّارَاتِ وَالنّفَقَاتِ هُوَ الْإِطْعَامُ لَا التّمْلِيكُ وَهَذَا هُوَ الثّابِتُ عَنْ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدّثَنَا أَبُو خَالِدٍ عَنْ حَجّاجٍ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيّ: يُغَدّيهِمْ وَيُعَشّيهِمْ