الصفحة 1813 من 35630

وكان أول تكليف إلهي موجها إلى الاثنين معًا آدم وزوجه: (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغَدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) . (البقرة: 35) .

فعاشا في الجنة معًا، وأكلا من الشجرة المنهي عنها معًا، وتابا إلى الله معًا، ونزلا إلى الأرض معًا، وتوجهت إليهما التكاليف الإلهية معًا: (قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هُدًى فمن اتَّبَع هداي فلا يَضِلّ ولا يَشْقَى) . (طه: 123) .

واستمرت الحياة بعد ذلك لا يستغني الرجال عن النساء، ولا يستغني النساء عن الرجال (بعضكم من بعض) ، فأعباء الدين والدنيا مشتركة بينهما.

ولهذا لا يتصور أن يعيش الرجل وحده بعيدًا عن المرأة لا يراها ولا تراه، إلا إذا خرج عن سواء الفطرة، واعتزل الحياة، كما فعلت الرهبانية التي ابتدعها النصارى، وقسوا فيها على أنفسهم قسوة لا تقرها فطرة سليمة ولا شريعة قويمة، حتى إنهم كانوا يهربون من ظل المرأة، ولو كانت مَحْرَمًا، أمًّا أو أختًا . ولهذا حرموا على أنفسهم الزواج، واعتبروا الحياة المثالية للمؤمن هي التي لا يتصل فيها بامرأة، ولا تتصل به امرأة، على أي وجه من الوجوه.

ولا يتصور كذلك أن تعيش المرأة وحدها في عزلة تامة عن الرجال، فالحياة قائمة على تعاون الجنسين في أمور المعاش والمعاد: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) . (التوبة: 71) .

وقد ذكرنا في موضع آخر أن القرآن جعل إمساك المرأة في البيت بحيث لا تخرج منه، عقوبة للمرأة التي ترتكب الفاحشة علانية حتى يشهد عليها أربعة من الرجال المسلمين، وذلك قبل استقرار التشريع، وإيجاب الحدود المعلومة.. قال تعالى: (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا) . (النساء: 15) .

كما أن هنا حقيقة أخرى يجب أن تذكر إلى جوار حاجة كل من الرجل والمرأة إلى الآخر وهي أن الله سبحانه غرس في فطرة كل واحد من الجنسين قابلية الانجذاب إلى الجنس الآخر، والميل إليه ميلًا شهويًّا غريزيا، بسببه يحدث اللقاء والإنجاب وبقاء النوع، وعمران الأرض.

فلا يجوز أن ننسى هذه الحقيقة، حين نتحدث عن علاقة الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، ولا يقبل من بعض الناس أن يدَّعوا لأنفسهم أنهم أكبر من أن تؤثر فيهم الشهوات أو تستثار فيهم الغرائز، أو يضحك عليهم الشيطان.

وفي ضوء هذه المسلَّمات يجب أن ننظر في قضية نظر المرأة إلى الرجل.

من المتفق عليه: أن النظر إلى العورة حرام، بشهوة أم بغير شهوة، إلا إن وقع ذلك فجأة بغير قصد ولا تعمد، وهو ما جاء فيه الحديث الصحيح الذي رواه جرير بن عبد الله: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نظر الفجأة فقال:"اصرف بصرك".رواه مسلم.

ولكن يبقى البحث هنا عن عورة الرجل ما هي ؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت