فهرس الكتاب
ولو نقصت المدّة الّتي حلف الرّجل على ترك قربان الزّوجة فيها عن أربعة أشهرٍ - عند من يرى أنّها لا تكون أقلّ من ذلك - وحتّى لو وطئ زوجته في أثناء المدّة الّتي حلف على ترك قربانها فيها ، وجبت عليه الكفّارة.
«أثر الإيلاء بعد انعقاده»
16 -إذا تحقّق ركن الإيلاء وتوافرت شرائطه ترتّب عليه أحد أثرين:
أوّلهما: يترتّب عليه في حالة إصرار الزّوج على عدم قربان زوجته الّتي آلى منها ، حتّى تمضي أربعة أشهرٍ من تاريخ الإيلاء.
وثانيهما: يترتّب عليه في حالة حنثه في اليمين الّتي حلفها.
«أ - حالة الإصرار»
17 -إذا أصرّ المولي على ترك قربان زوجته الّتي حلف ألاّ يقربها كان إصراره هذا داعيًا إلى الفرقة بينه وبين زوجته ، لأنّ في هذا الامتناع إضرارًا بالزّوجة ، فحمايةً لها من هذا الضّرر ، يكون لها الحقّ في مطالبته بالعودة إلى معاشرتها.
فإن لم يعد إلى معاشرتها حتّى مضت أربعة أشهرٍ فهل يقع الطّلاق بمجرّد مضيّها ؟
يرى المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة: أنّ الطّلاق لا يقع بمضيّ أربعة أشهرٍ ، بل للزّوجة أن ترفع الأمر إلى القاضي ، فيأمر الزّوج بالفيء ، أي الرّجوع عن موجب يمينه ، فإن أبى الفيء أمره بتطليقها ، فإن لم يطلّق طلّقها عليه القاضي.
ويرى فقهاء الحنفيّة أنّ الطّلاق يقع بمجرّد مضيّ أربعة أشهرٍ ، ولا يتوقّف على رفع الأمر إلى القاضي ، ولا حكمٍ منه بتطليقها.
وذلك جزاءً للزّوج على الإضرار بزوجته وإيذائها بمنع حقّها المشروع.
والحكمة الشّرعيّة في إمهاله هذه المدّة المحافظة على علاقة الزّوجيّة ومعالجة بقائها بما هو غالب على طبائع النّاس ، فإنّ البعد عن الزّوجة مثل هذا الزّمن فيه تشويق للزّوج إليها ، فيحمله ذلك على وزن حاله معها وزنًا صحيحًا ، فإذا لم تتأثّر نفسه بالبعد عنها ، ولم يبال بها سهل عليه فراقها ، وإلاّ عاد إلى معاشرتها نادمًا على إساءته مصرًّا على حسن معاشرتها.
وكذلك المرأة فإنّ هجرها من وسائل تأديبها ، فقد تكون سببًا في انصراف الزّوج عنها بإهمالها في شأن زينتها ، أو بمعاملتها إيّاه معاملةً توجب النّفرة منها ، فإذا هجرها هذه المدّة كان هذا زاجرًا لها عمّا فرّط منها.
وسبب الخلاف بين الجمهور وبين الحنفيّة يرجع إلى اختلافهم في المراد من التّرتيب الّذي تدلّ عليه « الفاء » في قول اللّه تعالى: «للّذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهرٍ فإن فاءوا فإنّ اللّه غفور رحيم» أهو التّرتيب الحقيقيّ وهو التّرتيب الزّمانيّ.
أي أنّ زمن المطالبة بالفيء أو الطّلاق عقب مضيّ الأجل المضروب ، وهو الأربعة الأشهر أو هو التّرتيب الذّكريّ لا الزّمنيّ ، فتفيد ترتيب المفصّل على المجمل ، وعليه يكون الفيء بعد الإيلاء خلال الأجل المضروب لا بعده ، فإذا انقضى الأجل بدون فيءٍ فيه وقع الطّلاق بمضيّه ؟ فبالأوّل قال الجمهور ، وبالثّاني قال الحنفيّة.