الصفحة 211 من 35630

مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 4 / ص 327)

وَكَذَلِكَ فِي الْإِيلَاءِ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يُوقَفُ إمَّا أَنْ يَفِيَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ . وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالْأُصُولُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ عَزْمَ الطَّلَاقِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ فَإِذَا انْقَضَتْ وَلَمْ يَفِ طَلُقَتْ وَغَايَةُ مَا يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إنْ صَحَّ عَنْهُ .

ـــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 9 / ص 261)

فَصْلٌ وَبِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَصْلِ تَظْهَرُ مَسْأَلَةُ"الِاسْتِثْنَاءِ فِي الظِّهَارِ"فَإِنَّ قَوْلَهُ أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ . وَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . قَالَ أَحْمَد: يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ بِالْعَوْدِ . وَأَصْلُ أَحْمَد: أَنَّ كُلَّ مَا شُرِعَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ شُرِعَ فِيهِ الْيَمِينُ وَإِلَّا فَلَا . وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ ابْنُ بَطَّةَ والعكبري وَابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ بِمَنْزِلَةِ التَّطْلِيقِ وَالْإِعْتَاقِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جُمْلَتَيْنِ كَالْقَسَمِ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ كَسَائِرِ الْإِنْشَاءَاتِ ؛ فَقَوْلُهُ: أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ كَقَوْلِهِ: أَنْت طَالِقٌ . لَيْسَ هُنَا فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ يُعَلَّقُ بِالْمَشِيئَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: لَأَخْرُجَنَّ . وَهَذَا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَقْوَى لِلْمُشَابَهَةِ الصُّورِيَّةِ . لَكِنَّ قَوْلَ أَحْمَد أَفْقَهُ وَأَدْخَلُ فِي الْمَعْنَى . وَإِنَّمَا هُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ عَدَّ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ كَنَذْرِ التَّبَرُّرِ ؛ لِلِاسْتِوَاءِ فِي الصُّورَةِ اللَّفْظِيَّةِ . وَمَنْ عَدَّهُ يَمِينًا لِمُشَابَهَةِ الْيَمِينِ فِي مَعْنَى وَصْفِهَا وَهُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَمَنْ أَعْطَاهُ حُكْمَهُمَا لِجَمْعِهِ مَعْنَاهُمَا . فَإِنَّ نِصْفَهُ يُشْبِهُ الْيَمِينَ فِي الْمَعْنَى وَنِصْفَهُ يُشْبِهُ النَّذْرَ . وَلِهَذَا سَائِرُ الْأَلْفَاظِ الْمُعَلَّقِ بِهَا الْأَحْكَامُ قَدْ يَنْظُرُ نَاظِرٌ إلَى صُورَتِهَا وَآخَرُ إلَى مَعْنَاهَا وَآخَرُ إلَيْهِمَا مَعًا كَمَا فِي قَوْلِهِ لَأَفْعَلَنَّ . الصُّورَةُ صُورَةُ الْخَبَرِ

وَالْمَعْنَى قَدْ يَكُونُ خَبَرًا وَقَدْ يَكُونُ طَلَبًا وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ . فَقَوْلُهُ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إنْشَاءً مَحْضًا لِلتَّحْرِيمِ وَالتَّحْرِيمُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الطَّلَاقِ فَكَانَ عِنْدَهُمْ طَلَاقًا عَلَى مُوجَبِ ظَاهِرِ لَفْظِهِ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَلْزِمُ التَّحْرِيمَ . فَجَعَلُوا اللَّازِمَ دَلِيلًا عَلَى الْمَلْزُومِ فَأَبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ فَإِنَّ الْحَلَالَ لَا يَكُونُ كَالْحَرَامِ الْمُؤَبَّدِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ طَلَاقًا وَإِنْ عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمَعْنَى الْفَاسِدِ وَهُوَ الْمُشَابَهَةُ الْمُحَرَّمَةُ ؛ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنْت يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ . إذَا عَنَى بِهِ الطَّلَاقَ فَإِنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْكُفْرِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُثْبِتَهُ فِيهَا . أَوْ أَنْت أَتَانٌ أَوْ نَاقَةٌ أَوْ أَنْت عَلَيَّ كَالْأَتَانِ وَالنَّاقَةِ . وَمِنْ هُنَا قَالَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ إنَّ قَوْلَهُ: أَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ . أَيْضًا يَمِينٌ لَيْسَ بِطَلَاقِ وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ يَمِينٌ مُغَلَّظَةٌ كَالظِّهَارِ . وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد . فَصَارَ قَوْلُهُ أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . بِمَنْزِلَةِ لَا أَقْرَبَنَّك ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْمُشَابَهَةِ لِلْأُمِّ يَقْتَضِي امْتِنَاعَهُ عَنْ وَطْئِهَا وَيَقْتَضِي رَفْعَ الْعَقْدِ . فَأَبْطَلَ الشَّارِعُ رَفْعَ الْعَقْدِ لِأَنَّ هَذَا إلَى الشَّارِعِ ؛ لَا إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الْعُقُودَ والفسوخ أثبات اللَّهِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِإِذْنِ الشَّارِعِ وَأَثْبَتَ امْتِنَاعَهُ مِنْ الْفِعْلِ لِأَنَّ فِعْلَ الْوَطْءِ وَتَرْكَهُ

إلَيْهِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ فَلَمَّا صَارَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: لَا يَنْبَغِي مِنِّي وَطْؤُك . فَهَذَا مَعْنَى الْيَمِينِ ؛ لَكِنَّهُ جَعَلَهُ يَمِينًا كُبْرَى لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ لِأَنَّ تِلْكَ الْيَمِينَ شُرِعَ الْحَلِفُ بِهَا فَلَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت