الصفحة 2632 من 35630

فَصْلٌ"النَّوْعُ الثَّانِي"أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ . فَإِنْ حَلَفَ بِاسْمِ اللَّهِ فَهِيَ أَيْمَانٌ مُنْعَقِدَةٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَفِيهَا الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ . وَإِذَا حَلَفَ بِمَا يَلْتَزِمُهُ لِلَّهِ كَالْحَلِفِ بِالنَّذْرِ وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ عَشْرُ حِجَجٍ . أَوْ فَمَالِي صَدَقَةٌ . أَوْ: عَلَيَّ صِيَامُ شَهْرٍ . أَوْ: فَنِسَائِي طَوَالِقُ: أَوْ عَبِيدِي أَحْرَارٌ . أَوْ يَقُولُ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ لَا أَفْعَلُ كَذَا . أَوْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا . أَوْ إلَّا فَعَلْت كَذَا . وَإِنْ فَعَلْت كَذَا فَنِسَائِي طَوَالِقُ . أَوْ عَبِيدِي أَحْرَارٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ ؛ فَهَذِهِ الْأَيْمَانُ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهِيَ أَيْمَانٌ مُنْعَقِدَةٌ . وَقَالَ طَائِفَةٌ: بَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ الْحَلِفِ بِالْمَخْلُوقَاتِ فَلَا تَنْعَقِدُ . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ ؛ فَإِنَّ عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُمْ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ . وَكَانُوا يَأْمُرُونَ مَنْ حَلَفَ بِالنَّوْعِ الثَّانِي أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَا يَنْهَوْنَهُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَالنَّذْرِ لِلَّهِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: { كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ } فَقَوْلُ الْقَائِلِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا . إنْ قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ فَهُوَ يَمِينٌ ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا . أَوْ إنْ أَقْتُلَ فُلَانًا فَعَلَيَّ كَفَّارَةٌ: فِي

مَذْهَبِ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الخراسانيون فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . فَاَلَّذِينَ قَالُوا: هَذَا يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ . مِنْهُمْ مَنْ أَلْزَمَ الْحَالِفَ بِمَا الْتَزَمَهُ فَأَلْزَمَهُ إذَا حَنِثَ بِالنَّذْرِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالظِّهَارِ وَالْحَرَامِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا . وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ الشَّافِعِيِّ . وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ النَّذْرِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَد وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَبُو ثَوْرٍ . وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ كُلُّهَا فِيهَا كَفَّارَةٌ إذَا حَنِثَ وَلَا يَلْزَمُهُ إذَا حَنِثَ لَا نَذْرٌ وَلَا طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ وَلَا حَرَامٌ . وَهَذَا مَعْنَى أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فَقَدْ ثَبَتَ النَّقْلُ عَنْهُمْ صَرِيحٌ بِذَلِكَ فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ وَالنَّذْرِ . وَتَعْلِيلُهُمْ وَعُمُومُ كَلَامِهِمْ يَتَنَاوَلُ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ طَلَاقًا كَمَا ثَبَتَ عَنْ طَاوُوسٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَجَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ . وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ أَلْزَمَ الْكَفَّارَةَ وَهُوَ الصَّحِيحُ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُلْزِمْهُ الْكَفَّارَةَ . فَلِلْعُلَمَاءِ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ أَكْثَرُ مِنْ"أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ"قِيلَ: يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا ؛ كَقَوْلِ الْأَرْبَعَةِ . وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا ؛ كَقَوْلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا . وَقِيلَ: إنْ قَصَدَ بِهِ

الْيَمِينَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ؛ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الصَّحَابَةِ"الْيَمِينُ".

فَفِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ"قَوْلَانِ"أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ فَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى مَاضٍ أَوْ حَاضِرٍ قَصْدُهُ بِهِ الْخَبَرَ - لَا الْحَضَّ وَالْمَنْعَ - كَقَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَقَدْ فَعَلْت كَذَا . أَوْ لَمْ أَفْعَلْهُ . وَقَوْلُهُ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَقَدْ فَعَلْت كَذَا . أَوْ لَمْ أَفْعَلْهُ . أَوْ الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ لَقَدْ فَعَلْت كَذَا . فَهَذَا إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعْتَقِدًا صِدْقَ نَفْسِهِ ؛ أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ ؛ فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ صِدْقَ نَفْسِهِ"فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ"."أَحَدُهَا"لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَيْمَانِ ؛ وَهَذَا أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ؛ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَد . فَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ أَوْ غَيْرِهِمَا عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ."وَالثَّانِي"يَكُونُ كَالْحَلِفِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت