فهرس الكتاب
قُلْت الْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ بِاَللَّهِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَتَصَدَّقَنَّ .
الثَّانِي بِاَللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَسْرِقَنَّ الثَّالِثُ بِغَيْرِ اللَّهِ لِلَّهِ كَقَوْلِهِ: وَالْكَعْبَةِ لَأَتَصَدَّقَنَّ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا إنْ فَعَلْت كَذَا لَأَتَصَدَّقَنَّ أَوْ فَعَلَيَّ الْحَجُّ ، وَالرَّابِعُ بِغَيْرِ اللَّهِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ: وَالْكَعْبَةِ لَأَسْرِقَنَّ .
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْقَسَمِ إنْ فَعَلْت كَذَا لَأَسْرِقَنَّ أَوْ فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ فَالْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ مُنْعَقِدَانِ تَجِبُ فِيهِمَا الْكَفَّارَةُ ، وَالثَّالِثُ فِيهِ مِثَالَانِ: أَحَدُهُمَا الْقَسَمُ الصَّرِيحُ كَقَوْلِهِ: وَالْكَعْبَةِ لَا يَنْعَقِدُ وَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ وَالثَّانِي إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الْحَجُّ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ ، كَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كَالْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْقَسَمُ الصَّرِيحُ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ فَمَا هُوَ فِي حُكْمِهِ بِطَرِيقِ أَوْلَى .
وَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنِدُ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الصِّيغَةِ الثَّانِيَةِ تَعْظِيمٌ لِغَيْرِ اللَّهِ بَلْ الْتِزَامٌ مُجَرَّدٌ فَارَقَ قَوْلَهُ ، وَالْكَعْبَةِ وَمَا أَشْبَهُهُ فَإِنَّ فِيهَا تَعْظِيمَ غَيْرِ اللَّهِ فَلِذَلِكَ أَبْطَلَ أَثَرَهَا ، وَأَمَّا الصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْتِزَامٌ مُجَرَّدٌ ، وَالشَّخْصُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إلْزَامِ نَفْسِهِ بِدَلِيلِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَنَذْرِ التَّبَرُّرِ وَالضَّمَانِ فَقَدْ الْتَزَمَ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ تَعْظِيمُ غَيْرِ اللَّهِ وَلَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَهَذَا الْمَأْخَذُ أَعَوْصُ وَأَقْرَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّلَفِ أَعْنِي مِنْ اعْتِبَارِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُتَرَتِّبِ ، فَمِنْ قَائِلٍ: وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ لِمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ الْتَزَمَ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا مَانِعَ مِنْ اعْتِبَارِهِ كَنَذْرِ التَّبَرُّرِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّ الْمُلْتَزِمَ لِذَلِكَ لَمْ يَقْصِدْ الْتِزَامَهُ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلْ إنَّمَا قَصَدَ ذَلِكَ لِيَمْنَعَ نَفْسَهُ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ أَوْ يَحُثَّهَا ، وَالنَّذْرُ الَّذِي حَكَمَ الشَّرْعُ بِوُجُوبِهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَقْصِدُ التَّقَرُّبَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ هُنَا الْوَفَاءُ وَيَتَخَلَّصُ مِنْهُ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ ؛ لِأَنَّهُ مُشْبِهٌ لِلْيَمِينِ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مَنَعَ نَفْسَهُ بِالْتِزَامِ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ تَعْظِيمُ غَيْرِ اللَّهِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي آخِرِهَا: إنَّهُ حَلَفَ حَقِيقَةً عَلَى الْحَجِّ مَثَلًا فَيَرُدُّهُ أَنَّ السَّلَفَ وَالْخَلَفَ يُطْلِقُونَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهُ حَلَفَ بِالْحَجِّ وَحَلَفَ بِالْعَتَاقَةِ وَحَلَفَ بِالصَّدَقَةِ فِيمَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيَّ حَجٌّ أَوْ عَتَاقَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ .
وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ لَكَانُوا يَقُولُونَ حَلَفَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَتَصَدَّقَ أَوْ يُعْتِقَ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ إلَّا حَلَفَ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ بِالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَهُ وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَفْهَمُهُ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ ، فَالْفِعْلُ الْمَقْصُودُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ هُوَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَالْحَجُّ مَثَلًا هُوَ الْمَحْلُوفُ بِهِ وَيُسَمُّونَهُ إذَا فَعَلَ الْفِعْلَ حَانِثًا ، وَلَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُ لَمْ يَكُنْ حَانِثًا إلَّا بِتَرْكِ الْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَهُ فَهُوَ نَادِرٌ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } ؛ لِأَنَّ عَلَى وَجْهِ الْحَلِفِ لَيْسَ قَصْدُهُ الطَّاعَةَ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ الْمَشْيَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ ؛ لِأَنَّ قَصْدَ الْمَشْيِ لَهُ جِهَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَذَلِكَ هُوَ الطَّاعَةُ وَهُوَ مَفْقُودٌ هُنَا ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ آخَرَ كَمَا هَاهُنَا فَإِنَّهُ إنَّمَا قَصَدَهُ لِيَكُونَ مَانِعًا لَهُ مِنْ الْفِعْلِ فَإِذَا لَمْ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ } فَلَا يَجِبُ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا أَوْجَبَهُ الْإِنْسَانُ عَلَى
نَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَفِيمَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الطَّاعَةَ أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَوَجَبَ وَهَا هُنَا لَيْسَ الْمَقْصُودُ الطَّاعَةَ .