الصفحة 280 من 35630

أحيانا قد تدعو العاطفة الإنسان أن يَضُمَّ إليه وَلَدًا يَعرف أنه ابن غيره وينسبه إلى نفسه نِسْبَة الابن الصحيح، وتثبت له جميع حقوقه، وذلك بدافع من الشفقة ، وهذا الفعل محرم في الإسلام لأن"الولد للفِرَاش".

والحكمة من منع التبني يوضحها فضيلة الدكتور وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بكلية الشريعة بجامعة دمشق فيقول فضيلته:

ظل العمل بالتبني بين العرب في الجاهلية بعد ظهور الإسلام الذي لم تتقرر فيه أحكام التشريع الإلهية دفعة واحدة، وإنما على منهج التدرّج والتربية شيئًا فشيئًا، فكان العربي في تلك الفترة الجاهلية إذا أعجبه من الفتى قوته ووسامته (أو جَلَده وظَرْفه) ضمه إلى نفسه، وجعل له نصيب أحد من أولاده في الميراث، وكان ينسب إليه، فيقال: فلان بن فلان.

وتمشيًا مع هذه الظاهرة تبنى محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصبح رسولًا برسالة إلهية شابًا من سبايا بلاد الشام، سباه رجل من تهامة، فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد، ثم وهبه لعمته خديجة زوجة النبي الأولى، ثم وهبته للنبي، فأعتقه وتبناه، وهو زيد بن حارثة الذي آثر البقاء مع النبي على هذا النحو، على العودة لأهله وقومه في بلاد الشام، وحينما تبنّاه النبي r قال: (( يامعشر قريش اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه ) ). هذا الوضع المتعلق بالتبني كشأن كثير من الأوضاع والمسائل التي ظلت سائدة في فترة زمنية مؤقتة بعد ظهور الإسلام، مثل الخمر والربا وبعض العادات الجاهلية، وكان زيد هذا يدعى (( زيد بن محمد ) )ثم حرّم الإسلام التبني تحريمًا صريحًا، لأن رسالة الإسلام والقرآن الإصلاحية كانت تعالج أوضاع المجتمع العربي الجاهلي تدريجًا، فقال النبي r: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) )أو (( صالح الأخلاق ) ).

وكان تحريم النبي بنصوص آيات ثلاث هي:

گ {وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ (1) أَبْناءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 33/4] .

گ {ادْعُوهُمْ لآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ (2) وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ (3) فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 33/5] .

گ {ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 33/40] أي ليس محمد بأب حقيقي لأحد من رجالكم، وليس هو بأب فعلي لزيد بن حارثة، حتى تحرم عليه زوجته، فصار زيد يدعى (( زيد بن حارثة ) )وهو النسب لأبيه الحقيقي بعد أن كان يدعى (( زيد بن محمد ) )وبالتالي كانت عادة الجاهلية تقضي بتحريم زواج المتنبي من زوجة الابن المتبنى بعد طلاقها.

وجاء في السنة النبوية الصحيحة ما يدل على منع الإنسان من انتمائه أو انتسابه إلى غير أبيه الحقيقي، قال النبي r: (( من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم، فالجنة عليه حرام ) ) (4) ، وفي حديث آخر: (( من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة ) ) (5) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت