أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَيُوقِعَهُمْ فِي مَذَاهِبِ الرَّافِضَةِ وَأَهْلِ الْإِلْحَادِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ـــــــــــــــــــــ
الفتاوى الكبرى - (ج 4 / ص 159)
532 -532 - 134 - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ بِنْتِ الزِّنَا: هَلْ تُزَوَّجُ بِأَبِيهَا ؟ أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ .
مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّزْوِيجُ بِهَا ، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ ؛ حَتَّى تَنَازَعَ الْجُمْهُورُ: هَلْ يُقْتَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ .
وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ يُقَالُ: هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَأَوِّلًا .
وَأَمَّا"الْمُتَأَوِّلُ"فَلَا يُقْتَلُ ؛ وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا .
وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مُطْلَقًا ، كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ: إنَّهُ يُجْلَدُ مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ مُتَأَوِّلًا ؛ وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَفْسُقُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَفَسَّقَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى .
وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُتَأَوِّلَ الْمَعْذُورَ لَا يُفَسَّقُ ؛ بَلْ وَلَا يَأْثَمُ .
وَأَحْمَدُ لَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا ؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهَا إنَّمَا ظَهَرَ فِي زَمَنِهِ ، لَمْ يَظْهَرْ فِي زَمَنِ السَّلَفِ ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَعْرِفْهُ .
وَاَلَّذِينَ سَوَّغُوا"نِكَاحَ الْبِنْتِ مِنْ الزِّنَا"حُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنْ قَالُوا: لَيْسَتْ هَذِهِ بِنْتًا فِي الشَّرْعِ ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ ؛ وَلَا يَجِبُ نَفَقَتُهَا ؛ وَلَا يَلِي نِكَاحَهَا ، وَلَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ النَّسَبِ ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِنْتًا فِي الشَّرْعِ لَمْ تَدْخُلْ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ ، فَتَبْقَى دَاخِلَةً فِي قَوْلِهِ: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } .
وَأَمَّا حُجَّةُ الْجُمْهُورِ فَهُوَ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ } الْآيَةَ هُوَ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَنْ شَمِلَهُ هَذَا اللَّفْظُ ، سَوَاءٌ كَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا ؛ وَسَوَاءٌ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ التَّوَارُثُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ ؛ أَمْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا التَّحْرِيمُ خَاصَّةً ، لَيْسَ الْعُمُومُ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ كَالْعُمُومِ فِي آيَةِ الْفَرَائِضِ وَنَحْوِهَا ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:"أَحَدُهَا"أَنَّ آيَةَ التَّحْرِيمِ تَتَنَاوَلُ الْبِنْتَ وَبِنْتَ الِابْنِ وَبِنْتَ الْبِنْتِ ؛ كَمَا يَتَنَاوَلُ لَفْظَ"الْعَمَّةِ"عَمَّةِ الْأَبِ ؛ وَالْأُمِّ ، وَالْجَدِّ .
وَكَذَلِكَ بِنْتُ الْأُخْتِ ، وَبِنْتُ ابْنِ الْأُخْتِ .
وَبِنْتُ بِنْتِ الْأُخْتِ .
وَمِثْلُ هَذَا الْعُمُومِ لَا يَثْبُتُ ، لَا فِي آيَةِ الْفَرَائِضِ ، وَلَا نَحْوِهَا مِنْ الْآيَاتِ ، وَالنُّصُوصِ الَّتِي عَلَّقَ فِيهَا الْأَحْكَامَ بِالْأَنْسَابِ .
"الثَّانِي"إنَّ تَحْرِيمَ النِّكَاحِ يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الرَّضَاعَةِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ } "وَفِي لَفْظٍ { مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ } "وَهَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَعَمِلَ الْأَئِمَّةُ بِهِ: فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِطِفْلٍ غَذَّتْهُ مِنْ لَبَنِهَا ، أَوْ أَنْ تَنْكِحَ أَوْلَادَهُ ، وَحَرَّمَ عَلَى أُمَّهَاتِهَا وَعَمَّاتِهَا وَخَالَتِهَا ؛ بَلْ حَرَّمَ عَلَى الطِّفْلَةِ الْمُرْتَضِعَةِ مِنْ امْرَأَةٍ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِالْفَحْلِ صَاحِبِ اللَّبَنِ ، وَهُوَ الَّذِي وَطِئَ الْمَرْأَةَ حَتَّى دَرَّ اللَّبَنُ بِوَطْئِهِ .