فهرس الكتاب
سؤال:
إذا اختلف الأبوان في طريقة تربية الأبناء ، بحيث إن كلا منهما يرى ما لا يراه الآخر ، فهل تجب على الزوجة أن تطيع زوجها فيما تراه يؤدى إلى فتنة الابن - حيث إن أباه يريد أن يحاسبه على كل كبيرة وصغيرة - ؟ أم إنها تظهر الطاعة أمامه ، ثم تفعل ما تراه مناسبا بعد ذلك مع ابنها - من باب قول الله تعالى ( قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) ومن باب ( كلكم راع ) - ؟ أم إن هذا الخطاب موجه للولي فقط ، وهو الأب ؟ أم إن هذا يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ؟ أفيدونا أفادكم الله .
الجواب:
الحمد لله
تربية الأبناء مسؤولية مشتركة بين الوالدين ، فقد ولاهما الله سبحانه وتعالى حفظ هذه الأمانة ، كل بحسب موقعه وقدرته ، ولا ينبغي حصر هذه المسؤولية العظيمة في واحد منهما دون الآخر .
عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ) .
رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ) .
فتأملي كيف نص الحديث على مسؤولية كل واحد من الأبوين ليؤكد استقلال كل واحد بهذا التكليف ، وفي حديث الفطرة يظهر أيضا كيف أن التوجه الديني للأبناء مبني على توجه أبويهم معا وليس واحدًا منهما فقط .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ ) .
رواه البخاري ( 1292 ) ومسلم ( 2658 ) .
وفي أداء المسؤوليات المشتركة جاءت الشريعة بالأمر بوسيلة تؤدي في الغالب إلى أكمل النتائج وأحسنها ، وذلك من خلال"الحوار والمشاورة"، ولعل هذه القيمة أعظم سبب لسعادة الأسرة ونجاح التربية ، وقد جاء الأمر بالشورى في المسؤوليات المشتركة في قوله تعالى: ( فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ) البقرة/233 .
قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -:
أي: فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين ، ورأيا في ذلك مصلحة له ، وتشاورا في ذلك ، وأجمعا عليه: فلا جناح عليهما في ذلك ، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الاخر لا يكفي ، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر ، قاله الثوري وغيره ، وهذا فيه احتياط للطفل ، وإلزام للنظر في أمره ، وهو من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه .
"تفسير القرآن العظيم" ( 1 / 380 ) .