فهرس الكتاب
هذا الحديث كالذي مضى فيه أن هذا الرجل من شدة خوفه من الله وصى أن يحرق ثم يذرى في اليم خوفًا من الله تعالى ، وهذا الرجل يُقال إنه فعل ذلك ظانًا أن الله لا يقدر عليه وأنه إذا فعل هذا نجا من العذاب ، فبعثه الله عز وجل وسأله لم فعلت ذلك ؟ فأخبره أنه فعل هذا خوفًا منه فغفر الله له ، ووجه أهل العلم هذا لأنه متأول ما قصد الشك في قدرة الله لكن ظن أن هذا ينجيه من عذاب الله0 وبنوا على ذلك أن كلمة الكفر إذا قالها الإنسان غير مريد لها فإنه لا يكفر بهذا وأيدوا قولهم بما ثبت في الصحيح من أن الله يفرح بتوبة عبده أشد فرحًا من رجل ضلت راحلته عنه فلما آيس منها اضطجع تحت الشجرة ينتظر الموت فإذا بخطام ناقته متعلقًا بغصن الشجرة فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح فلم يعاقبه الله على هذا الأمر ، وينبغي على ذلك أن كلمة الكفر لا بد أن يكون قائلها قاصدًا وإذا قصدها كفرًا ، سواء كان جادًا أم لاعبًا لأنه لا فرق في كلمة الكفر بين المستهزئ وبين الجاد ـ الكلام على أنه يقصد معناها ـ بخلاف المتأول ، وفي هذا دليل على أن الخوف ينجي من عذاب الله وهو كذلك ، فإن الخوف من الله ينجي من عذاب الله ولكن قد يرد على هذا مثل قوله تعالى: { كمثل الشيطان إذ ال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين } فهنا قال إني أخاف الله رب العالمين ، والجواب عن ذلك أن الشيطان لم يخف خوف تعظيم وإجلال ، وإنما هو خوف هلاك0 يعني خاف أن يهلكه الله لا إجلال لله عز وجل ، ولا تقربًا إليه بالخوف ولهذا لم ينفعه ، فخوف الشيطان من الله كخوف الإنسان من الأسد ، وخوف الإنسان من الأسد ليس خوف عبادة ولا تعظيم ولا إجلال0
س: بالنسبة لقول هارون لموسى: { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } هل هذا أشد من الخوف ؟