فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 111""""""
من شرحنا للكتاب الأول أنها إما أن تكون عن إرادة طبيعية أو عن إرادة خفية . أو عن إرادة مطلقة وقد بينا أن حركة التنفس هي عن إرادة خفية . وكلما كان كذلك فإنما يكون بالعضل وكذلك كل ما يكون عن إرادة مطلقة فإذًا لا بد وأن تكون هذه الحركة بعضل ولأن هذا العضو الذي هو الصدر ، وما يتصل به عضو عظيم جدًا لا يمكن تحريكه بعضل قليل المقدار ، قليل العدد فلا بد من عضلات كثيرة فلو جعل الصدر من عظم واحد أو من عظام يتصل بعضها ببعض كالحال في عظام الرأس لكانت هذه العضلات إما أن تكون من داخله فتضيق على القلب والرئة إلا أن يكون ذلك العظم أو العظام كثيرة جدًا فيكون الصدر عظيمًا جدًا ثقيلًا أو يكون من خارجه فيلزم أن يكون الصدر أعظم مما هو عليه الآن بكثير فلم يبق إلا أن يكون من عظام كثيرة متفرقة لتكون هذه العضلات أماكن ينخلق فيها من غير أن يلزم ذلك زيادة في عضل الصدر ولا كذلك الحال في الرأس ، فإنه لم يحتج فيه إلى هذه العضلات فلذلك خلق جميع محيط من العظام ، وخاصة وهو عضو شديد اللين ، شديد التضرر بما يلاقيه . فلو جعل في محيطه خلل وهو غائب عن حراسة الحواس لأمكن أن ينفذ فيه ما يفسد الدماغ ، ويؤدي إلى الهلاك البتة . وأقول: إنه لا يمكن أن يكون لتكثير هذه العظام وخلقها متباعدة منفعة أخرى ، وهي أن الصدر بالقرب من مطبخ الغذاء ، وفوقه وذلك مما يلزمه ارتفاع كثير من الأبخرة والأدخنة اللازمة للطبخ إليه ، والحجاب ، وإن خلق حاجزًا بينهما فهولا محالة ذو مسام فلا بد وأن ينفذ في تلك المسام قدر كبير من ذلك . فلو جعل الصدر من عظم واحد أو عظام ، لكانت هذه الأبخرة والأدخنة تكثر فيه جدًا وذلك مؤد إلى مزاحمة القلب والرئة ، وإلى الإضرار به فلا بد وأن يكون بين عظامه فرج متسعة ليسهل تحلل تلك الأبخرة والأدخنة منها ولا كذلك الدماغ . فإن هذه الأبخرة والأدخنة إنما ينفذان إليه بعد مرورها بالصدر فإذا كان الصدر كثير الفرج لم يصل منها إلى الدماغ إلا اليسير جدًا خصوصًا وأكثرها يتحلل أيضًا عند الترقوتين والكتفين فيكون مستغنيًا عن زيادة الفرج بين عظامه . والله ولي التوفيق .