-قوله تعالى (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) الباء للسببية أي: أي: فصلنا بعض أجزاء البحر عن بعض بسبب دخولكم فيه، ليمكنكم المرور سالكين بين أجزائه، وقيل إن (الباء) بمعنى (اللام) والمعنى: فرقنا بكم أي: أي فرقنا لكم، وهو عائد للمعنى الأول، لأن اللام للتعليل، والباء للسبب، فالمعنى متقارب.
-فرقنا: أصل الفرق الفصل، ومنه الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل، أي يفصل ومنه قوله تعالى (فالفارقات فرقًا) يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل.
(وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) بأبصاركم، ليكون ذلك أشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة عدوكم.
-قال ابن عاشور: وهذا الحال زيادة في تقرير النعمة وتعظيمها فإن مشاهدة المنعم عليه للنعمة لذة عظيمة لا سيما ومشاهدة إغراق العدو أيضًا نعمة زائدة كما أن مشاهدة فرق البحر نعمة عظيمة لما فيها من مشاهدة معجزة تزيدهم إيمانًا وحادث لا تتأتى مشاهدته لأحد.
-البحر: معروف سمي بذلك لاتساعه.
-ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه، لكن ثبت في الصحيح أنه كان يوم عاشوراء.
فعن ابن عباس (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر بصيامه) .
-لم يبين هنا كيفية فرق البحر بهم، لكنه بين ذلك في مواضع:
كقوله تعالى (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) .
وقوله (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى) .
الفوائد:
1 -عظم نعمة الله على بني إسرائيل إذ نجاهم من آل فرعون، حيث تضمن هذا التذكير حصول المطلوب وذلك بنجاتهم، وزوال المكروه بإهلاك عدوهم.
2 -أن الإنجاء من العدو من أعظم النعم.
3 -شدة عذاب فرعون لبني إسرائيل.
4 -شدة قوة الله عز وجل حيث أهلك فرعون.
5 -بيان قدرة الله على كل شيء.
6 -أن إهلاك عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه.
7 -قال السمرقندي: وكان في قصة فرعون وغيره علامة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا يعرف ذلك إلا بالوحي، فلما أخبرهم بذلك من غير أن يقرأ كتابًا، كان ذلك دليلًا أنه قاله بالوحي، وفيه أيضًا تهديد للكفار ليؤمنوا حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب أولئك، وفيه أيضًا تنبيه للمؤمنين وعظة لهم ليزجرهم ذلك عن المعاصي.
(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ. ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) .
[البقرة 51 - 53] .