الصفحة 126 من 516

قال بعض العلماء: إنما نص الله تعالى على صفة الخلق دون غيرها من الصفات، لأن المشركين كانوا يعترفون أن الله خالقهم، كما قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) .

وقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم.

(فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي ليقتل بعضكم بعضًا، وإنما عبر بقتل النفس، لأن المؤمن أخو المؤمن فكأنه هو نفسه، فالأمة الواحدة المجتمعة على شيء ينزلون منزلة النفس الواحدة.

كقوله تعالى (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: على من في البيت.

وقوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضًا.

وقوله تعالى (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا) أي: ظنوا بإخوانهِم خيرًا.

وقوله تعالى (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي: إخوانكم.

عن ابن عباس ( ... فقال الله تبارك وتعالى إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد أو ولدٍ فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، فتاب أولئك الذين كان قد خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به فغفر الله للقاتل والمقتول.

قيل: فاجتلد القوم فكان من قتل من الفريقين سبعون ألفًا، حتى دعا موسى وهارون: ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقية البقية، فأمرهم أن يضعوا السلاح فتاب عليهم، وقيل: أصابتهم ظلمة فأصبح بعضهم يقتل بعض، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، وقيل: بل إن القتل وقع جهرًا بلا ظلمة، وهذا أصح، لأنه أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم.

(ذَلِكُمْ) أي القتل.

(خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) أي رضاكم بحكم الله ونزولكم عند أمره خير لكم عند الخالق العظيم.

قال الشنقيطي: أن هذا القتل بهذه التوبة يقطع حياتهم الدنيوية، ولكنه يكسبهم حياة أخروية، وهذه الحياة الأخروية خير من الحياة الدنيوية.

(فَتَابَ عَلَيْكُمْ) في الكلام حذف تقديره: ففعلتم فتاب عليكم، أي فقبل توبتكم وتجاوز عنكم.

(إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) الذي يتوب على التائبين، فمن رحمته أنه يقبل توبة التائبين مهما عظمت ذنوبهم.

الفوائد:

1 -أن الشرك من أعظم الظلم، لأنه وضع للعبادة في غير موضعها.

2 -خطورة الشرك.

3 -تذكير العاصي بمن يستحق الطاعة والعبادة لقوله (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ) فالذي خلقكم هو من يستحق العبادة.

4 -أن الذي لا يخلق لا يستحق أن يعبد.

5 -أن العاجز لا يستحق أن يكون إلهًا.

6 -وجوب التوبة.

7 -الإخلاص في التوبة.

8 -ما وضع الله على بني إسرائيل من الأغلال والآصار، حيث كانت توبتهم من عبادة العجل أن يقتل بعضهم بعضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت