الصفحة 131 من 516

وسجود الشكر مشروع في شريعتنا، وقد سجده النبي - صلى الله عليه وسلم - وسجد أصحابه، وعند الفتح أيضًا صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمان ركعات.

(وَقُولُوا حِطَّةٌ) هذا القول الذي أُمروا به، أي: مسألتنا حطة، والحطة فعلة من الحط الذي هو الوضع، والمعنى: مسألتنا لربنا هي حطة لذنوبنا وأوزارنا، فهي كلمة استغفار تؤذن بحط الذنوب ووضع الأوزار.

(نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، والخطيئة: الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه التنكيل، والمعنى: نتجاوز ونستر لكم ذنوبكم العظيمة.

(وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) الذين يحسنون في عبادة ربهم، ويحسنون إلى المخلوقين طلبًا لمرضاة الله.

وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، وبالشفاعة ونحو ذلك، وتعليم العلم النافع، وقضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم، وإزالة شدائدهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم.

ويدخل في ذلك الإحسان في عبادة الله، إخلاصًا لله تعالى، ومتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، كما قال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) وقال تعالى (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) .

فالإحسان في عبادة الله: أن تقوم بالعمل متقنًا فيه إخلاصًا ومتابعة.

والإحسان إلى المخلوق: بأداء حقوقهم الواجبة والمستحبة، وأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك.

-قال السعدي: والإحسان نوعان:

الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى المخلوق.

فالإحسان في عبادة الخالق: فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .

وأما الإحسان إلى المخلوق: فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم، فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم، والسعي في جمع كلمتهم، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم، على اختلاف أحوالهم وتباين أوصافهم، فيدخل في ذلك بذل الندى وكف الأذى، واحتمال الأذى، كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات، فمن قام بهذه الأمور، فقد قام بحق الله وحق عبيده. (تفسير السعدي)

-وأعظم دافع للإحسان مراقبة الله تعالى، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعريفه (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تره فإنه يراك) .

وسؤال جبريل هذا ليعلم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى الإحسان، وأن إحسان العمل إنما يكون لمن راقب الله وعلم يقينيًا أن الله مطلع عليه.

لأن الإحسان هو الغاية التي من أجلها خلق الخلق، وأنه سبحانه يختبر عباده في إحسانهم للعمل.

كما قال تعالى في أول سورة هود (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) . ولم يقل أيكم أكثر عملًا.

وقال تعالى في أول سورة الكهف (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) ثم بيّن الحكمة بقوله (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) .

وقال تعالى في أول سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) .

فالإحسان: أن يأتي بالعمل حسنًا متقنًا لا نقص فيه ولا وصم، وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت