ثالثًا: المنافقون كثر.
ومما يوجب مزيد الخوف من النفاق والحذر من المنافقين أنهم كثيرون منتشرون في بقاع الأرض.
قال الحسن البصري: لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات.
وقال ابن القيم: كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض، وفي أجواف القبور، فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات، سمع حذيفة رجلًا يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم.
رابعًا: انتشار النفاق الأصغر في مجتمعاتنا.
ومما يؤكد خطر النفاق، أن الكثير من شعب النفاق الأصغر - الذي لا يخرج من الملة - قد عمت وطمت في مجتمعات المسلمين، كالكذب، وخلف الوعد، والرياء، والخيانة، والجبن، وترك الجهاد في سبيل الله، وعدم تحديث النفس بذلك.
ومع أن هذه الخصال من النفاق الأصغر لكنها قد تؤول إلى النفاق الأكبر المخرج من الملة.
رابعًا: الواجب تجاه المنافقين:
أولًا: زجرهم ووعظهم.
قال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) .ثانيًا: جهادهم والغلظة عليهم.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .
ثالثًا: تحقيرهم وعدم تسويدهم.
قال - صلى الله عليه وسلم - (لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم) رواه أبو داود.
رابعًا: عدم الصلاة عليهم.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .
وقال تعالى (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) .
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) .
[البقرة: 17 - 18] .
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ) وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى, وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى, بمن استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يُبصر ولا يهتدي وهو مع هذا أصم لا يسمع أبكم لا ينطق أعمى لو كان ضياء لما أبصر, فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك, فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا الموضع.