الصفحة 76 من 516

-قال الشيخ السعدي: هذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية، كما قال تعالى (وإذا أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانًا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة وضلالة وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة ورحمة، وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال.

-قوله تعالى (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) قيل: هو من قول الكافرين، أي مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى.

وقيل: بل هو خبر من الله عز وجل، قال القرطبي: وهو أشبه.

-قال الشوكاني عن القول الأول: ليس بصحيح، فإن الكافرين لا يقرون بأن في القرآن شيئًا من الهداية، ولا يعترفون على أنفسهم بشيء من الضلالة.

(وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) أي: وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن طاعة الله بكفرهم.

-والمراد بالفسق هنا الخروج عن الدين وهو الكفر، بدليل وصفهم بعد ذلك بقوله (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ... ) وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين.

والفسق هو الخروج عن طاعة الله، ومنه سميت الفأرة فويسقة لخروجها للإفساد، ويطلق ويراد به الكفر كقوله تعالى (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) وقال تعالى (ومَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) .

ويطلق ويراد به ما دونه من المعاصي كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ) .

-قال القرطبى: والفِسْق في عُرْف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكُفْر وعلى من خرج بعصيان.

-لفظ الضلال في القرآن يطلق على ثلاثة إطلاقات:

الأول: إطلاق الضلال على الضلال عن طريق الهدى إلى طريق الزيغ، وعن طريق الجنة إلى طريق النار.

كما قال تعالى (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) .ومنه قوله تعالى (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) .

ومنه قوله تعالى (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) ، وهذا أغلب استعمال الضلال.

والثاني: هو إطلاق الضلال على الغَيْبَة والاضمحلال.

ومنه قوله تعالى (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: غاب واضمحل ولم يبق له أثر.

ومنه قوله تعالى (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) فمعنى (ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) أي: اضمحلت عظامهم ولحومهم وجلودهم فيها فأكلتها واختلطت بها.

والثالث: إطلاق الضلال على الذهاب عن علم الشيء، فكل ما لم يهتد إلى علم شيء تقول العرب: ضل.

ومنه قول أولاد يعقوب (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: ذهاب عن علم الحقيقة حيث يفضّل يوسف علينا.

وقوله (قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) أي: ذهابك عن حقيقة العلم بالشيء، لأنك تظن يوسف حيًا، ولا يريدون الضلال، لأنهم لو أرادوا الضلال في الدين لكانوا كفرة لتضليلهم نبيًا من الأنبياء. (الشنقيطي) .

ومنه قوله تعالى (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) أي: لا يذهب عنه علم شيء ولا ينسى شيئًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت