الصفحة 32 من 645

كما أننا قد رأينا فيما سبق ، خطأ المنهج الذي يقوم على إثبات عدم صحة الأناجيل المتداولة أو القرآن ككتاب منزل من الله جملة ، وهنا نرى ضرورة الاستناد إلى الأناجيل المتداولة ، بل ويجب أن نفترض أن الأصل فيها أنها صحيحة ، ويكون القول بخلاف ذلك أمر يلزمه الدليل والسند ، مع مراعاة أن الدليل لا يجوز أن ننتهي منه إلى نفي صحتها جملة لأن هذا إنما يرجع بنا إلى المنهج الذي رفضناه ، ثم إننا يجب أن نكون أكثر شجاعة ، ونحن نتوجه بالبحث إلى المسيحيين والمسلمين على السواء ، فإذا كان المسلمون يؤمنون بتنزيل القرآن من الله ، فالمسيحيون لا يؤمنون بذلك ، وإذا كان البحث سيقوم على أساس أن الأصل في الأناجيل المتداولة افتراض صحتها ، فإنما لأن المسيحيين يؤمنون بذلك ، كما أن الأصل في المسلمين إيمانهم بالمسيح والإنجيل ، وهذه هي ما يعتبر المسيحيون الإنجيل ، أما والمسيحيون لا يؤمنون بتنزيل القرآن ، فإنه لا يجوز أن نبدأ بافتراض أن الأصل فيه هو الصحة كما افترضنا بالنسبة للأناجيل ، وإنما يجب أن يكون الأصل أنه للقول بتنزيله ، يجب أن نثبت هذا التنزيل ولا نفترضه ابتداء.

وهذا الذي انتهينا إليه لا يقبل من مسيحي أو مسلم أن يرفضه ، فكيف لمسيحي أن يعترض وقد افترضنا أن الأصل في الأناجيل المتداولة صحتها (1) ، وما قد يقال خلافًا لذلك لابد وأن يكون مصحوبًا بدليله وسنده ، مع عدم قبول رفض الأناجيل جملة بأي حال ، كما أن الأصل لزوم إثبات صحة القرآن ككتاب منزل من الله ومن ثم فلن يفرض عليه التسليم بافتراض صحة القرآن ونسبته إلى الله إلا أن يثبت له صحة ذلك ، ثم كيف لمسلم أيضًا أن يعترض ، فالأصل عند المسلم الإيمان بالإنجيل ككتاب منزل من الله ، فإذا اعترض على الأناجيل المتداولة فعليه أن يؤيد اعتراضه بالسند والدليل ، ثم هو مادام موقنًا بأن القرآن منزل من الله ، فلابد وأن يكون لديه ما يثبت به ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت