الصفحة 33 من 118

فنقول العرب استعمالها لتركيب كلامها لا تنظر حين التركيب إلى الألفاظ، وإنما تنظر إلى دلالة الألفاظ حال التركيب، فالألفاظ تدل حال التركيب على معنى لا ينتقل معه الذهن من المعنى الأول إلى معنى جديد، مثلا نقول زيد أسد مباشرة ما دام قال زيد أسد لا يأتي للذهن الأسد الذي هو حيوان مفترس، ثم ينتقل منه إلى الرجل الشجاع لقرينة وجود زيد، وإنما مباشرة لما قال زيد أسد علِمَ أن المراد تشبيه زيد بالأسد في شجاعته، وهذه حقيقة تركيبية، وهي التي يدعي فيها المخالفون أنها مجاز، مثلا في القرآن في قول الله تعالى ?فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ? [النحل:26] قال (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) معلوم هنا الذي يتبادر للذهن أول ما يسمع السامع هذا الكلام (أَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) أنه ليس إتيان الله لهذا (1) المكان بذاته، وإنما أتى بقدرته، لأنه قال (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ) فيفهم من حقيقة الكلام هذا المعنى، ولا يمكن أن يفهم منه أنه يمكن أن يكون الإتيان بالذات فيُصرف عنه لأجل أنه قال (مِنَ الْقَوَاعِدِ) ونحو ذلك، فهذا يسمى حقيقة تركيبية، وهي التي أو يشبهها الذي يسميه أولئك المجاز، قال تعالى ?أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ? [الفرقان:45] لا يمكن أنْ يفهم عربي أن المراد (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ) يعني ألم تر إلى ذات ربك، إنما المراد يَفهم من قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) ألم تر إلى قدرة ربك كيف مد الظل، وهذا ليس مجازا، وإنما هو حقيقة تركيبية، الحقيقة هي التي تُعنى عند العرب بالكلام؛ لأنّ الحقيقة ما هي؟ هي إظهار الحقيقة بهذا الكلام، فصار الكلام حقيقة، لأنّه تظهر به حقيقة الأمر، فالكلام كله حقيقة، هذه الحقيقة تارة تكون إفرادية في اللفظ، وتارة تكون تركيبية في الكلام جميعا، وهنا مثّل بأمثلة يأتي الكلام عليها.

لكن هذه الحقيقة بمثل قوله تعالى ? وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا? [يوسف:82] .

(1) انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت