فهرس الكتاب
جهنم! ذاك في الدار الآخرة أما في ص _195
هذه الدنيا، فإن العرب بعيدا عن الإسلام سيأكل بعضهم بعضا، ثم يأكل بقيتهم اليهود والنصارى! إذا كان الدين ضرورة إنسانية لرشد الناس، وقيامهم بحقوق خالقهم، فإن الدين للعرب هو الهواء الذى يبقى حياتهم، أو الغذاء الذى يمسك كيانهم، فليروا رأيهم، إن شاءوا الحياة أو شاءوا الممات. ص _196
دنيا وآخره التعريف بالآخرة حق، وهو شىء آخر غير التجهيل في الدنيا! كما تحدث إنسانا عن مستقبله وضرورة الإعداد له ولا يعنى ذلك بداهة لفته عن حاضره وصرفه عن مواجهته. لكن بعض المربين والدعاة تغيب عنه هذه الحقيقة فيسىء أكثر مما يحسن، ويترك في النفوس انطباعا بأن الدين عدو الدنيا، وإن أحدا لا يبلغ حقيقة التقوى إلا إذا عاش وهو يعانى كآبة المنظر في الأهل والمال، أو إلا إذا عاش وهو جاهل بحقائق الحياة وقوانين المادة وسنن الله في كونه. واختلال الميزان العقلى في هذه النظرة السيئة أنشأ أجيالا من المسلمين لا تفقه دينا ولا تملك دنيا، بل لعله من أهم الأسباب في التخلف الحضارى الذى أهان المسلمين في المشارق والمغارب.. نحن لا ننكر أن الدين أطال الحديث عن الدار الآخرة، وبث في النفوس الأشواق إلى نعيم الجنة كما بث فيها المخاوف من عذاب النار، لكن هذا الإسهاب في الوعد والوعيد هو لتهذيب الغرائز وكبح جماحها، ومنع طغيان العاجلة على الآجلة، وإخراج المرء من القوقعة الأرضية التى يحتبس داخلها غالبا. وفتح بصيرته على آفاق أوسع وحياة أخلد. أما القصور في فهم الدنيا، والغربة على سطح الأرض، والعجز عن امتلاك زمام الحياة، فهذا كله لا يدل على تقوى، بل يدل على طفولة فكرية يضار بها الدين وتنكس بها ألويته وتتقهقر بها تعاليمه. وليت شعرى ماذا يفيد الإسلام من رجل مكن الله له في الأرض فلم يتمكن، أو جعلها له ذلولا ليركبها ويبلغ بها غايته، فإذا هى تجمح به، وتسقطه من فوق ظهرها، وإذا هو طريح الثرى والعجز؟ وما