وقد ربط الله - عز وجل - فلاح هذه الأنفس بتزكيتها وتربيتها في غير ما موطن في القرآن، فيقول الله - عز وجل: ? قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا?، يقول ابن تيمية يرحمه الله - كما في كتابه الموسوم بـ (تزكية النفس) : ''والمقصود من هذه الآية هو أمر الناس بتزكية أنفسهم''، وهو المنقول عن سفيان بن عيينة وعن سعيد بن جبير، وقتادة، وجماعة.
فإذا أراد المرء أن يستكمل نقائصه، وأن يسد خلله، وأن يجعل نقسه عليَّة في مراقي الفلاح، فلابد من التربية والتزكية، ولابد من الثبات على هذا الطريق وإن طالت خطاه فيه.
والعقل ينطق بأهمية التربية والرأي يفصح عن أهمية التزكية، وقد كشف عن ذلك أئمة كُثُر حتى قال الإمام الماوردي في (أدب الدنيا والدين) :"لابد من تزكية النفس، ولابد من تربيتها، وإلا بقيت على نقائصها الطبيعية التي خُلِقَتْ عليها، وبقي فيها غير ذلك مما يكتسبه الإنسان نتيجة كونه باقيًا في هذه الدنيا"، فالنقل والعقل يتعانقان على أهمية تربية الأنفس وتزكيتها، وأنه هو الخطوة التي يبدؤها الإنسان حتى تصفو له روحه، ويحقق فلاحه ونجاحه في أولاه وآخرته.
والتربية في الاشتقاقات اللغوية لها أكثر من معنى، فمن معانيها: الزيادة والنماء، ومن معانيها: الرعاية والتربية.
واصطلاحًا: هي ما كشف عنه الإمام البيضاوي في (تفسيره) حيث قال:"التربية هي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا". ويؤكده الراغب الأصفهاني - كما في (المفردات) - بقوله:"التربية هي إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام".
فالتربية باشتقاقاتها اللغوية ومعناها السابق قديمة معروفة، معروفة في اللغة، وهي معروفة في القرآن، ومستعملة في لسان الشارع، وموجودة في كلام السلف الأخيار رحمهم الله ورضي عنهم، فلا يستنكفن المرء عن استعمالها ولا ينأينّ عن لفظها، فكل ذلك من الغلو المرذول، المخالف للمعقول والمنقول.