وأما من أبى أن يسمع شيئًا من مثل هذه الآثار إلا أن يصح إسناده عنده أو يكون مقطوعًا بصحة كل تفاصيله، فنقول له: هذا مذهب غريب خالفت فيه جمهور علماء أهل السنة والحديث وتكلفت فيه ما لا يكاد يقدر عليه في هذه الأزمنة أحد؛ فإنك إما أن تعرض عنها من أصلها وتلك خسارة وأي خسارة، وإما أن تقوم بتخريجها وتصفيتها ونقدها ومتى يتهيأ لك نقد كل هذه الآثار والحكم على أسانيدها وأكثرها نازلة وكثير من رواتها مجاهيل؛ وما هي الفائدة المرجوة من هذا التعب الطائل؛ ومع ذلك فإن كنت مصرًا على هذا المذهب غير متساهل فيه فنقول لك: لك ذلك ولكن ليس لك أن تعرض عن النظر في هذه الحكم السَّنية والتنزه في هذه الرياض الندية والارتواء من هذه الأحواض النقية والتزود من هذا الزاد الذي لا يكاد يستغني عنه إلا محروم ولا يكاد يعرض عنه إلا جاهل أو مغرور أو عالم مجتهد جهبذ جبل يكتفي بالقرآن وما صح من مرفوعات الأحاديث وأين اليوم مثل هذا العالم؟! فلا يصدنك عن أن تنتفع بحكمة أو وصية أو خبر فيه عبرة تقف عليه في هذا الكتاب أو غيره عدم ثبوت ذلك الخبر عن صاحبه ولا يصدنك عن ذلك أيضًا أن يكون صاحب الأثر غير عالم أو غير محقق أو غير سني أو متهم في دينه أو متكلم فيه بأي نوع من أنواع الكلام، فالحكمة ضالة المؤمن لا يشترط في قبولها تزكية قائلها .
وانظر ما يلي.
فضل آثار السلف وعبر السابقين في باب التزكية
روى أبو نعيم في حلية الأولياء (5/103) عن مفضل بن غسان قال: قال عمرو [بن قيس الملائي] : حديث أرقق به قلبي وأتبلغ به إلى ربي أحب الي من خمسين قضية من قضايا شريح.
وروى فيه أيضًا (4/313) عن الشعبيّ قال: لو أنَّ رجلًا سافرَ من أقصى الشامِ الى أقصى اليمنِ فحفظَ كلمةً تنفعُهُ فيما يستقبلُ من عمرِهِ رأيتُ أنَّ سفرَهُ لمْ يَضِعْ.