الصفحة 39 من 56

وأي شيء أعظم من كتاب الله، هذا الكتاب الذي جمع الله به شتات العرب، تآخى المهاجرون والأنصار والأوس والخزرج بسببه، كتاب يهدي ولا يضل، يجمع ولا يفرق، حينها عزمت على جمعهن على مائدة القرآن، وأنعم بها من مائدة، وفي أول اجتماع طرحت هذا الموضوع على كبيرات الجمع، فتحججن بأنهن اجتمعن للمؤانسة والمحادثة، فراجعت نفسي، حينها عاهدتها على عدم اليأس فكرت كثيرًا، فوجدت أن الأمهات مجبولات على حب من أحسن على صغارهن، فعرضت عليهن في الاجتماع القادم افتتاح حلقةٍ لبناتهن الصغيرات، رحبن بالفكرة، ليأمنّ على الأقل إزعاجهن وعبثهن ولو لبعض الوقت، جمعتهن مع إحضار بعض الجوائز، حينها دفعت الأمهات إلي من هن أكبر سنًا لتعليمهن القرآن، وشيئًا فشيئا، بدأ يكبرُ هذا الدرس قمتُ برعايته بحمد الله تعالى، كما ترعى الأم وليدها، رعيته طفلًا رضيعا، فشابًا، لكنه لن يشيخ بإذن الله تعالى، مضى على هذا الدرس ما يقرب من ثمانية أعوام، نجتمع عليه في الأسبوع مرة واحدة، ولعلكم تتساءلون عن ثمرته بعد ذلك، فإليكم شيئًا من ذلك:

أربعون طالبة يدرسن من خلال حلق أربع تم تقسيمهن على مستويات، حتى ليخيل للرائي والغريب عن ذلك الاجتماع أن ذالك الاجتماع مدرسة لتحفيظ القرآن بحمد الله تعالى، لم ينته الأمر عند ذالك الحد، بل كان من ثمار ذلك بحمد الله تعالى طالبتان حفظن من خلال هذه الحلقة أربعة عشر جزءًا، وثلاث طالبات حفظن تسعة عشر جزءً، والبقية الباقية ما بين ثلاثة أجزاء وأربعة وخمسة، وكفى ثمرة لهذا الدرس أن الأمهات أصبحن يترنمن بجزء وجزأين في وقتٍ كُنَّ فيه لا يحسن الفاتحة.

وما زالت هذه الأخت بحمد الله تعالى ترعى هذه النبتة بل وأضافت إلى ذالك درسٍ علمي لمدة نصف ساعة من كل أسبوع في ذالك الاجتماع بأحد طلبة العلم من محارمها، ومازال المركب يسير تحفه عناية الله ورعايته، يسير بثقةٍ واطمئنان، في وسط الأمواج العاتية، في وقتٍ تعاني فيه الأسر من الشتات والتفرق عن طريق الاجتماعات، لا عجب، هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت