الصفحة 157 من 530

تَعَدَّدَتِ الْأَسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدُ

ومن أسباب النصر: المشاورةُ بين المسؤولين في تعبئة الجيوش وإعدادها، وطريقة الدفاع والهجوم، ونحو ذلك؛ قال - تعالى - في وصف عباده المؤمنين: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] ، وقال لنبيِّه محمد - صلى الله عليه وسلم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] ، وكان - صلى الله عليه وسلم - يشاور أصحابه في الحروب وغيرها، مع كمال عقله وسداد رأيه؛ امتثالًا لأمر الله، وتطييبًا لنفوس أصحابه.

ومن أسباب النصر: تولية قيادة الجيوش لِمَن عُرِفوا بالإخلاص لله ولدينه، ثم لحكوماتهم وشعوبهم وأوطانهم، ثم إرشادهم وتوجيههم لما يجب أن يعملوه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه بتقوى الله ومَن معه من المسلمين خيرًا؛ فقال: (( اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا مَن كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا ) ) [1] .

ومن آخر آيات القتال نزولًا قوله - تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 5] ، وقد قال العلماء في كل آية ذُكِر فيها الصفح والإعراض عن المشركين: إنها منسوخة بهذه الآية، فبسبب الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله والإخلاص له في القول والاعتقاد والعمل - نال سلفنا الصالح العزَّ والنصر والتمكين في الأرض، ودانت لهم الدنيا، وذلت لهم الأمم، وذلك حين كان الإيمان متمكِّنًا في قلوبهم، ومتوغِّلًا في نفوسهم، وعرفوا أن في الجهاد إحدى الحُسْنَيين: إمَّا النصر والغنيمة، وإما الشهادة في سبيل الله ثم الجنة، حتى قال قائلهم:

فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا

عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللهِ مَصْرَعِي

فنصرهم الله لمَّا نصروه، وأعزَّهم وخذل عدوهم حين أطاعوه؛ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ

(1) رواه مسلم، والغلول: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، والغدر: نقض العهد، والتمثيل: تشويه القتيل بقطع أطرافه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت