تشغيب بالشبهات في ذهنك فاطرح ذلك وانتبذ حجب الالفاظ وعوائق الشبهات
واترك الامر الصناعي جملة واخلص إلى فضاء الفكر الطبيعي الذي فطرت عليه وسرح نظرك فيه وفرغ ذهنك فيه للغوص على مرامك منه واضعا لها حيث وضعها أكابر النظار قبلك مستعرضا للفتح من الله كما فتح عليهم من ذهنهم من رحمته وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون فإذا فعلت ذلك أشرقت عليك أنوار الفتح من الله بالظفر بمطلوبك وحصل الامام الوسط الذي جعله الله من مقتضيات هذا الفكر ونظره عليه كما قلناه وحيئنذ فارجع به إلى قوالب الادلة وصورها فأفرغه فيها ووفه حقه من القانون الصناعي ثم اكسه صور الالفاظ وأبرزه إلى عالم الخطاب والمشافهة وثيق العرى صحيح البنيان.
وأما إن وقفت عند المناقشة والشبهة في الادلة الصناعية وتمحيص صوابها من خطائها وهذه أمور صناعية وضعية تستوي جهاتها المتعددة وتتشابه لاجل الوضع والاصطلاح فلا تتميز جهة الحق منها إذ جهة الحق إنما تستبين إذا كانت بالطبع فيستمر ما حصل من الشك والارتياب وتسدل الحجب على المطلوب وتقعد بالناظر عن تحصيله وهذا شأن الاكثرين من النظار والمتأخرين سيما من سبقت له عجمة في لسانه فربطت عن ذهنه ومن حصل له شغب بالقانون المنطقي تعصب له فاعتقد أنه الذريعة إلى إدراك الحق بالطبع فيقع في الحيرة بين شبه الادلة وشكوكها ولا يكاد يخلص منها والذريعة إلى إدراك الحق بالطبع إنما هو الفكر الطبيعي كما قلناه إذا جرد عن جميع الاوهام وتعرض الناظر فيه إلى رحمة الله تعالى وأما المنطق فإنما هو واصف لفعل هذا الفكر فيساوقه في الاكثر فاعتبر ذلك واستمطر رحمة الله تعالى متى أعوزك فهم المسائل تشرق عليك انواره بالالهام إلى الصواب والله الهادي إلى رحمته وما العلم إلا من عند الله الفصل الثلاثون في ان العلوم الالهية لا توسع فيها الانظار ولا تفرع المسائل
إعلم أن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين علوم مقصودة بالذات كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام وكالطبيعيات والالهيات