سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كاحدهم هكذا تصيرت الالسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها العجم والاطفال وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع أي بالملكة الاولى التي أخذت عنهم ولم ياخذوها عن غيرهم ثم إنه لما فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الاعاجم وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى عند الكيفيات التي كانت للعرب فيعبر بها عن مقصوده لكثرة المخالطين للعرب من غيرهم ويسمع كيفيات العرب أيضا فاختلط عليه الامر وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الاولى وهذا معنى فساد اللسان العربي ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزاعة وبني كنانة وغطفان وبني أسد وبني تميم وأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وإياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لامم الفرس والروم والحبشة فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الاعاجم وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة
العربية والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التوفيق الفصل الثامن والثلاثون في ان لغة العرب لهذا العهد مستقلة مغايرة للغة مضر وحمير وذلك أنا نجدها في بيان المقاصد والوفاء بالدلالة على سنن اللسان المضري ولم يفقد منها إلا دلالة الحركات على تعين الفاعل من المفعول فاعتاضوا منها بالتقديم والتاخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد إلا أن البيان والبلاغة في اللسان المضري أكثر وأعرف لان الالفاظ باعيانها دالة على المعاني باعيانها ويبقى ما تقتضيه الاحوال ويسمى بساط الحال محتاجا إلى ما يدل عليه وكل معنى لا بد وأن تكتنفه أحوال تخصه فيجب أن تعتبر تلك الاحوال في تادية المقصود لانها صفاته وتلك الاحوال في جميع الالسن أكثر ما يدل عليها بالفاظ تخصها بالوضع وأما في اللسان العربي فانما يدل عليها باحوال وكيفيات في تراكيب الالفاظ وتاليفها من