فهرس الكتاب
على أن إدارة المعارف في الآستانة أخذت تنشئ القوانين الصارمة لتقييد حرية المطبوعات ولم تزل تضايقها شيئًا بعد شيء حتى بلغت في ضغطها حدًا لا يكاد يتصوره غير اللذين قاسوا مضضه. ولعل ذلك الضنك الذي بلغ الروح التراقي كان من أقوى أسباب الانقلاب العثماني. ومن المطبوعات الجديرة بالذكر التي صدرت في ذلك الوقت في بيروت دائرة المعارف باشر بها المعلم بطرس البستاني ولم يتم منها إلا نصفًا. وكذلك طبع ديوان الأخطل وديوان الخنساء وديوان أبي العتاهية وأقرب الموارد للشيخ سعيد الشرتوني وفرائد اللآل في مجمع الأمثال للشيخ إبراهيم الأحدب وتاريخ ابن العبري وشرح المتنبي للشيخ إبراهيم اليازجي ومجموع مجاني الأدب وشروحه وكتاب ألف ليلة وليلة منقحًا وكتب أخرى عديدة جعلت لبيروت بين المستشرقين سمعة طيبة حتى ضربوا المثل بحسن مطبوعاتها. وكان الحظ الأوفى في ذلك للمسيحيين وخصوصًا للكاثوليك.
الجمعيات الأدبية
ومما يحيي الآداب ويبعث همم ذويها الجمعيات الأدبية وقد ذكرنا سابقًا ما أنشئ منها قي بيروت على أن تلك الجمعيات الأدبية انتقض حبلها وتضعضعت أركانها إذ تصدت لها الحكومة المحلية وكانت لا تزال تتصدرها وتتجنس بواطن أصحابها وتسيء الظن بهم فرأوا في شتاتهم خيرًا لهم. وقد سعى مع ذلك الأدباء بإنشاء نوادي أدبية منها الدائرة العلمية المارونية التي عقد أصحابها من أساتذة لحكمة بعض جلسات في السنتين 1881 و1882 ونشرت نبذًا من أعمالها. ولم تطل كذلك حياة دائرة ثانية انتسبت إلى القديس جرجس دبرها الأب يوسف برنيه اليسوعي ثلاث سنوات وأتت ببعض النتائج الحسنة (1883 - 1886) . وأسس الأمير كان جمعية أخرى مختلطة دعوها بشمس البر تلتئم حتى اليوم في أوقات معلومة وتتلى فيها الخطب في مواضيع شت تستشف من وراء بعضها حرية الأفكار.
المكاتب
وقد ساعد أيضًا على نشر الآداب في جهات الشام وبالأخص في بيروت أنشأ الكتبيين للمكاتب فأن باعة الكتب قبل السنة 1880 كانوا قليلين لا يزيدون على ثلاثة أو أربعة بين نصارى ومسلمين ففتحت عدة مكاتب حتى تجاوز عددها العشرين وكان بين الكتبيين رجال ذوو نشاط كانوا يجلبون المطبوعات من بغداد والعجم والهند ومن أوربا. ثم خمدت تلك الحركة بعد أن تشددت الحكومة في مراقبتها للمطبوعات فلم تكتف بأن تمنع الكتب المخالفة لسياسة الدولة بل حجزت على مطبوعات جليلة لمجرد ما توهمته فيها من المحظورات حتى لم تسمح بإدخال تاريخ أبي الفداء والعقد الفريد لأبن عبد ربه. وقد رأينا من مراقبة المأمورين عجائب وغرائب لو أثبتناها هنا لعدت من أساطير الأولين أو أقاصيص الأمم الهمجية.
ومع ما نفعت تلك المكاتب كنا نخص ذوي الأمر على إنشاء خزائن عمومية تودع فيها أخص المطبوعات الشرقية ليقتبس من أنوارها المشتغلون بالآداب كما هو جار في معظم البلاد المتمدنة لكننا كنا ننفخ في رماد ونضرب على حديد بارد. وإلى يومنا هذا نتمنى بفروغ الصبر أن تصرف بلديتنا نظرها إلى هذا الأمر النافع وقد أخذت تلوح اليوم بارقة أمل لتحقيق رغائبنا فلقي مطلوبنا إذنًا سامعة.
على أن بعض الجمعيات استدركت المر وبذلت المال في تجهيز تلك الخزائن.