فهرس الكتاب
وقام على الطائفة المارونية غبطة البطريرك بولس مسعد سنة 1854 وكان من البارعين في معرفة الأنساب والتاريخ الشرقي والحق القانوني خلف من كل هذه العلوم آثارًا حسنة.
وفي هذه الغضون كان على السريان الكاثوليك البطريرك أغناطيوس بطرس جروة وقد ذكرنا (ص75) بعض ما خلفه من المآثر العلمية. ولما دعاه الله إلى دار الخلود خلفه ذلك الرجل المفضال المبرات أغناطيوس أنطون السمحيري (1853 - 1864) الذي عني بتهذيب أكليروس طائفته في مدرسة الشرفة وفي مدرسة غزير ومدرسة البروباغندا في رومية العظمى فخرج من يلك المدارس رجال أفاضل سنذكرهم في تاريخ وفاتهم.
أما الأرمن الكاثوليك وكان يدبرهم البطريرك غريغوريوس بطرس الثامن منذ السنة 1843 فما كان لينسى تعزيز الآداب في طائفته فاهتم في نماء مدرسة بزمار وتنظيم كهنتها على قوانين خصوصية كما أنه أرسل إلى مدرسة غزير بعض بني جنسه فأنجزوا فيها دروسهم ثم اشتهروا في خدمة المنفوس ولهم تآليف دينية. ثم قام بتدبير الطائفة الأرمنية السيد أنطون حسون سنة 1866. وكان من رجال الفضل والعلم فجرى على مثال سلفه في نشر الآداب بين أبناء أمته.
وكذلك الكلدان فإن بطريركهم يوسف أودو (1848 - 1878) سعى في إنماء الآداب في ملته. وهو الذي أنشأ لأبناء طائفته مدرسة اكليريكية في الموصل وأرسل أحداثًا منهم إلى مدارس أخرى فنجحوا.
وقد عرفت الرسالة الأمريكية في هذا العهد بنشاط عظيم اشتهر بينها الدكتور عالي سميث والدكتور طمسن والدكتور فان ديك فانكبوا على درس اللغة العربية حتى أتقنوها.
وكان من أثمار اجتهادهم ترجمة الكتاب المقدس باشر فيها سنة 1849 الدكتور سميث بمعاونة المعلم بطرس البستاني فعرب قسمًا من كتب موسى ثم توفي سنة 1857 فقام بتعريبها من بعده الدكتور فان ديك ولم يزل يفرغ في إنجاز العمل كنانة جهده حتى انتهى منه سنة 1864 بمساعدة الشيخ ناصيف اليازجي ثم طبع الكتاب سنة 1867. ولم تثبت فيه الأسفار المعروفة بالقانونية الثانوية. وصار لهذه الترجمة رواج كبير حتى أتت من بعدها ترجمة الآباء اليسوعيين بمساعدة المرحوم إبراهيم اليازجي فكانت أضبط نقلًا وأشمل موضوعًا وأبلغ لسانًا وأجود طبعًا فصارت تعتبر كالترجمة الرسمية لجميع الكاثوليك الناطقين بالضاد.
الآداب الإسلامية في هذا الطور (1850 - 1870)
انحصرت الآداب الإسلامية في هذا الطور الثالث أعني من السنة 1850 إلى 1870 في العلوم اللسانية خاصة من صرف ونحو ولغة وبديع وبيان وشعر وأدبيات منثورة. أما التاريخ والعلوم الطبيعية والهيئة والرياضيات فإن التأليف فيها كان نادرًا. إلا أن بعض الأدباء كالشيخ الرفاعي الطحطاوي في مصر وسليمان الحرائري في الجزائر عربوا عدة مؤلفات أوربية في العلوم المستحدثة والاختراعات الجديدة فكان تعريباتهم دليلًا على سعة اللغة العربية ومرونتها وكفايتها لترويج المعارف العصرية. فنهج غيرهم منهجهم بعد ذلك لا سيما جماعة الأمريكان في بيروت. وهانحن نختصر تاريخ أدباء المسلمين في هذا الطور بذكر مشاهيرهم بلدًا بلدا مباشرة بالشام ثم مصر ثم العراق وبقية البلاد.
(أدباء المسلمين في الشام) يحضرنا منهم أسماء قليلين ولعل مصنفات أكثرهم لا تزال مدفونة في بيوت الخاصة. فممن اشتهروا في هذه المدة بآدابهم السيد مصباح البربير اسمه محمد بن محمد البربير وجده أحمد البربير الشاعر الذي ذكرناه في جملة أدباء الطور الأول من القرن التاسع عشر. ولد محمد مصباح سنة 1261 (1845) وأظهر