فهرس الكتاب
رحمه الله وكان في إشبيلية (1) ، وابن عاديا (2) وبني المظفر (3) والعبيدية منهم المتقدم ومنهم المتأخر إذ ليس الغرض ترتيبهم ، أعني الملوك ، إنما الغرض تعريف من تملك والترتيب على التاريخ ، ثم أن ظهر يوسف بن تاشفين (4)
(1) إشبيلية (بالاسبانية:Sevilla) هي عاصمة منطقة الأندلس ومحافظة إشبيلية في جنوب اسبانيا، و تقع على ضفاف نهر الوادي الكبير. يزيد عدد سكان المدينة بضواحيها عن 1.5 مليون نسمة. اشتهرت أيام الحكم الإسلامي لاسبانيا وكان عبد الرحمن الثاني قد أمر ببناء أسطول بحري ودار لصناعة الأسلحة فيها في أواسط القرن التاسع الميلادي من أشهر حكامها المعتمد بن عباد وسميت (حمص) نسبة لنزول جند الشام فيها اثناء الفتح الاسلامي. من معالمها منارة الخيرالدا التي بنيت بأمر من السلطان أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي.
(2) لم نقف عليه .
(3) بنو المظفر: وشهرتهم بنو الأفطس من ملوك الطوائف 1022-1094 م: سلالة بربرية الأصل عرفت أيضًا ببني مسلمة. كان مؤسس السلالة عبد الله بن مسلمة من كبار رجالات الحكم الثاني الخليفة الأموي. اقتطع لنفسه إمارة بطليوس بعد أفول الخلافة بقرطبة، تمكن بنو الأفطس بعدها لبعض الفترات من تملك شرق إسبانيا و جزء من البرتغال. على مدى ثلاثة أجيال من الحكام عبد الله (1022-1045 م) ، المظفر (1045-1065 م) ثم عمر المتوكل (1065-1094 م) تمتع هؤلاء بثقافة عالية و كانوا من رعاة الآداب و العلوم. كانت بينهم و بين بنو عباد حكام إشبيلية حروب انتهت باستيلاء الأخيرين على جزء كبير من مملكة بني الأفطس. أصبحوا في نهاية أمرهم يؤدون الجزية إلى مملكة قشتالة إلى أن قضى عليهم الموحدين ( راجع: الفنون والهندسة الإسلامية(Islam: Kunst und Architektur) لـ"ماركوس هاتشتاين" (Markus Hattstein) .
(4) هو يوسف بن تاشفين بن إبراهيم بن ترقنت المصالي الصنهاجي اللمتوني الحميري . أبو يعقوب . أمير المسلمين وملك الملثمين ، سلطان المغرب الأقصي ، وباني مدينة (مراكش) ، وأول من دعي بأمير المسلمين . أمه لمتونية حرة اسمها فاطمة بنت سير بن يحيى . ولد في صحراء المغرب ، ولما شب ولاه عمه أبو بكر بن عمر اللمتوني إمارة البربر ، وبايعه أشياخ المرابطين وجال جولة في المغرب بجيش كبير فقوي أمره واستولى على فاس وغزا المغرب الأوسط (الجزائر) والأدنى (تونس) وأنشأ إمبراطورية مغربية تمتد فيما بين تونس والمحيط الأطلسي . وما بين البحر المتوسط وحدود السودان . دخل الأندلس لنصرة المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية ، وظفر في موقعة (الزلاقة) على جيوش قشتالة وليون التي كان يقودها الملك ألفونسو السادس سنة 479 هـ ، وقد أبيد في هذه الموقعة الحاسمة جيش ألفونسو ولم ينج ألفونسو نفسه ، إلا بشق الأنفس . واسترد المسلمون بهذه الوقعة مدينة (بلنسية) وعادت إليهم السيادة على الجزيرة الخضراء . وقد وصف المعتمد بن عباد هذه الوقعة التي شارك فيها ، وتسمى (يوم عروبة) بقصيدة يقول فيها مخاطبا ابن تاشفين
ويوم العروبة ذدت العدا نصرت الهدى وأبيت الفرارا
ثبت هناك , إن القلوب بين الضلوع لتأبى القرارا
ولولاك يا يوسف المتقي راينا الجزيرة للكفر دارا
رأينا السيوف ضحى كالنجوم وكالليل ذاك الغبار المثارا
فلله درك في هولة لقد زاد بأسك فيه اشتهارا
تزيد اجتراء إذا ما الرماح عند التناجز زدن اشتجارا
كأنك تحسبها نرجسا تدير الذماء عليها عقارا
تريك الرماح القدود انثناء وتجلو الصفائح الخدود أحمرارا
إذا نار حربك ضرمتها حسبنا الأسنة فيها شرارا
ستلقى فعالك يوم الحساب تنثر بالمسك منك انتثارا
وللشهداء ثناء عليك بحسن مقامك ذاك النهارا
وأنهم يستبشرون ألا تخاف وألا تضارا و يعتبر يوسف بن تاشفين بحق واحدًا من عظماء المسلمين الذين جدّدوا للأمة أمر دينها ولم يأخذ حقه من الاهتمام التاريخي إلا قليلًا نشأ يوسف بن تاشفين في جنوب بلاد المغرب (موريتانيا حاليًا) نشأة إيمانية جهادية، وأصله من قبائل «سنهاجه اللثام» ويقال بأنه حميري عربي وفي روايات أخرى بربري و شجعت مواقف ملوك الطوائف المخزية أن يتحرك"ألفونسو السادس"ملك قشتالة في محاولة منه لالتهام حواضر الإسلام الأخرى، فتوالت غزواته، وراح يهدد سرقسطة وإشبيلية وبطليوس وغيرها من قواعد الأندلس، كان ذلك نذيرًا.. فتحرك ما بقي من ضمائرهم، وتفتحت أعينهم على حقيقة جلية، وهي أن ما أصاب طليطلة سيصيبهم، ولن تنفعهم معاهدات عقدوها مع ملك قشتالة، وأن مصيرهم إلى السقوط والهلاك ما لم يتداركوا مواقفهم، وتتحد كلمتهم وتجتمع على كلمة سواء. وأدرك"المعتمد بن عباد"صاحب إشبيلية خطورة الموقف، وهو أشد ملوك الطوائف مسئولية عما حدث؛ لأنه كان بإمكانه نجدة طليطلة، ومد يد العون إليها، لكن غلَّت يديه معاهدةٌ مخزية عقدها مع القشتاليين بمقتضاها يتعهد ملك قشتالة بمعاونة المعتمد ضد جيرانه من الأمراء المسلمين، وفي المقابل يتعهد المعتمد بأن يؤدي الجزية لملك قشتالة، وأن يطلق يده في أعماله العسكرية ضد طليطلة، دون أن يتدخل لوقف أعماله، وبعد سقوط طليطلة، بدأ ألفونسو ملك قشتالة يشتد في مطالبه المالية ويرهقه بالمزيد منها، بل إنه كاتبه يطالبه بتسليم بلاده، وينذره بسوء المصير، وبدأ بالفعل في اجتياح بلاده وتخريب مدنها وقراها. أجمع ملوك الطوائف على ضرورة الاستغاثة بيوسف بن تاشفين أمير دولة المرابطين المغربية وكانت دولة قوية بسطت نفوذها بالمغرب، وكان قد ذاع صيته، واشتهر أمر فُتُوحه في المغرب، وحبه للجهاد، وإقامته حكومة تقوم على العدل والقسطاس. وبدأ ملوك الطوائف يكاتبون الأمير يوسف ويرسلون إليه الرسل، يستنصرون به على محاربة النصارى الذين اشتد سلطانهم، وتفتحت شهيتهم لالتهام الأندلس، ويصفون له حالهم وما ينتظرهم من خطر السقوط والفناء؛ إذ لم يبادر هو بإغاثتها ونصرها.
ولم تكن فكرة الاستنصار بالمرابطين تلقى إجماعًا بقبولها من قبل ملوك الطوائف، فقد كان هناك من يخشى مغبة هذه السياسة ويعارض قيامها، مخافة أن يطمع المرابطون في بلادهم فيلحقوها بدولتهم الفتية، غير أن"المعتمد بن عباد"حسم الموقف وأخمد الفتنة بمقولته المأثورة:"رعي الإبل خير من رعي الخنازير"يقصد بذلك أنه يفضل أن يكون أسيرًا لدى أمير المرابطين يرعى له جماله من أن يكون أسيرًا لدى ملك قشتالة. استجاب يوسف بن تاشفين لدعوة ملوك الطوائف، وأعد جيشًا عظيمًا، عبر به البحر المتوسط إلى الأندلس، فاستقبله أمراؤها، وسار بجيشه إلى إشبيلية حيث وافته جيوش الأندلس، وفي أثناء ذلك الوقت كان"ألفونسو"ملك قشتالة مشغولًا بمحاربة"ابن هود"أمير سرقسطة، فلما علم بخبر عبور المرابطين ترك محاربة ابن هود، وجمع جندًا من سائر الممالك النصرانية للقاء الجيوش الإسلامية، فالتقى الفريقان في سهل الزلاقة بالقرب من بطليوس، في معركة هائلة في (12 من رجب 479 هـ: 23 من أكتوبر 1086 م) ، ثبت فيها المسلمون وأبلوا بلاءً حسنًا حتى أكرمهم الله بالنصر، وقتل معظم جيش القشتاليين، ومن نجا منهم وقع أسيرًا، وفر ملكهم بصعوبة في بضع مئات من جنده جريحًا ذليلًا، وعاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب متوجًا بتاج النصر والفخار، وملقبًا بأمير المسلمين. كان هذا النصر عزيزًا، أعاد الثقة في نفوس الأندلسيين، واهتزت له مشاعر المسلمين فرحًا وطربًا، ورد خطر القشتاليين عن الأندلس إلى حين بعد أن كانت على موعد مع الغثاء والهلاك، وكتبت لها حياة جديدة، امتدت إلى أربعة قرون أخرى. لم يكد يستقر يوسف بن تاشفين في المغرب حتى عادت كتب الأندلسيين ووفودهم تترى عليه؛ طلبًا لنجدتهم من القشتاليين الذين عاودوا التدخل في شئون شرقي الأندلس في بلنسية ومرسية ولورقة، فأجابهم إلى ذلك، وعبر بقواته إلى الأندلس في (ربيع الأول 481 هـ: يوليو 1088م) واتجهت مع القوات الأندلسية إلى حصن (ليبط) ، وهو حصن أقامه القشتاليون بين"مرسية"ولورقة، ليكون قاعدة للإغارة على أراضي المسلمين في هذه المنطقة.
حاصرت القوات المتحدة هذا الحصن، وسلطت عليه آلات الحصار، وضربوه بشدة، لكنها لم تنجح في هدمه أو إحداث ثغرة ينفذ منها المسلمون؛ نظرًا لمناعته واستماتة المدافعين، ودام الحصار نحو أربعة أشهر دون جدوى، ففك يوسف بن تاشفين الحصار بعدما كبد حامية الحصن خسارة كبيرة، وأهلك معظم رجاله حتى إن ملك قشتالة حين قدم الحصن لنجدته لم يجد فيه سوى مائة فارس وألف راجل (محارب من المشاة) ، بعد أن كان يضم عند محاصرته ثلاثة عشر ألف مقاتل، ثم عاد يوسف إلى بلاده بعد ترك بعض قواته تحت إمرة خير قواده (سير بن أبي بكر اللمتوني) .
شاهد أمير المرابطين عند عبوره إلى الأندلس ما عليه أمراؤها من فُرقة وتنابذ، وجنوح إلى الترف والبذخ، وميل إلى الدعة والراحة والعيش الناعم، في الوقت الذي يهملون فيه شئون رعيتهم، ويتقاعسون عن حماية دولتهم من خطر النصارى وتطلعهم إلى الاستيلاء على أرضهم، فاستقر في ذهنه ضرورة إزاحة هؤلاء الأمراء عن مواقعهم، وعزز من ذلك فتاوى كبار الفقهاء من المغرب والأندلس بوجوب خلع ملوك الطوائف، وانتزاع الأمر من أيديهم، وكان"أبو حامد الغزالي"و"أبو بكر الطرطوشي"على رأس القائلين بهذه الفتوى؛ وهو ما دعا أمير المرابطين إلى تنفيذ هذا الأمر، وكان لا يحب القيام بعمل إلا إذا كان متفقًا مع أحكام الشرع الحنيف.
عبر أمير المرابطين إلى الأندلس للمرة الثالثة بجيش ضخم في أوائل سنة (483هـ: 1090م) لتحقيق هذا الهدف، ومقاتلة النصارى، فاتجه بقواته إلى طليطلة، واجتاح في طريقه أراضي قشتالة دون أن يتقدم أحد من ملوك الطوائف لمعاونته أو السير معه، وكان يرغب في استرداد طليطلة لعله يشفى الجُرح الدامي، لكنه لم ينجح نظرًا لمناعة أسوارها العالية، فرجع بجيشه إلى إشبيلية وفي عزمه أن يستخلصها هي وغيرها من إمارات ملوك الطوائف بعد أن وقر في قلبه، وقامت عليه الأدلة إلى عودة ملوك الطوائف إلى عقد اتفاقات سرية مع ملك قشتالة، يتعهدون فيها بالامتناع عن معاونة المرابطين، والدخول في طاعة ألفونسو ملك قشتالة وحمايته. قسم أمير المرابطين قواته في أنحاء الأندلس، وبدأ هو بالاستيلاء على غرناطة، ودخلها في (العاشر من رجب 483هـ: سبتمبر 1090م) وأعلن على الناس أنه سوف يحكم بالعدل وفقًا لأحكام الشرع، وسيدافع عنهم، ويرفع عنهم سائر المغارم الجائرة، ولن يفرض عليهم من التكاليف إلا ما يجيزه الشرع الحنيف.
ثم بعث أمير المرابطين بقائده الكبير"سير بن أبي اللتموين"على رأس جيش كبير إلى إشبيلية، فتمكن من الاستيلاء على كثير من مدنها، ودخل المرابطون قرطبة في اليوم الثالث من صفر 484 هـ: 26 من مارس 1091م، ثم تتابع سقوط مدن الأندلس في أيدي المرابطين ليبدأ عصر جديد في الأندلس .