ومن هنا نهض أهل الحق للتفكير الجاد المثمر البناء في إنقاذ الأمّة، مصداقا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" (1) .
ومما يؤسفني أنني بعد بحث طويل لم أعثر على كتب التاريخ التي تتحفنا بالمعلومات والأخبار عن فترة ما بين العصور الذهبيّة - عصور الصناعة والتأليف في اللغة العربية وتلقي القرآن الكريم والتفاسير مباشرة من أفواه المدرسين والوعاظ -وبين العصور المتأخرة في العلم والمعرفة، حيث نجد هناك بونًا كبيرًا وفرقًا شاسعًا بين هاتين الفترتين.
الترجمة بين المؤيدين والمعارضين:
سبَّبَ نهوض أهل الحق للتفكير الجاد في ترجمة معاني القرآن إزعاجًا كبيرًا لأهل الأهواء، فسرعان ما انتبهوا لخطواتهم المباركة ووقفوا لها بالمرصاد، وبدؤوا يعارضون وينتقدون فكرة الترجمة بشتى الوسائل، والمؤيدون أيضا حاولوا من جهتهم الدفاع عن فكرتهم بكل ما أوتوا من قوة.
وكانت الطائفة المنتسبة إلى السنة المتأثرة بالأفكار الصوفية في مقدمة المعارضين لهذه الخطوة الميمونة.
ولعل السبب في ذلك يعود إلى الأمور الآتية:
= خوفهم من معرفة الناس الذين يحسنون الظن بهم خباياهم وحقيقتهم.
= خوفهم من اطلاع الناس المخدوعين بهم على حقيقة التوحيد المخالفة للأفكار الصوفيّة التي تبدأ بحب الصالحين وتعظيمهم وتنتهي بهم إلى وحدة الوجود والإشراك بالله.
لذا كان الانتقاد من جانبهم شديدًا وبأساليب متنوعة؛ حيث عقدت جلسات تلو الجلسات، حتى صدرت الفتوى أخيرًا بحرمة القيام بالترجمة، بحجة أن غير المسلمين سوف يطلعون عليها ويتداولونها فتذهب قداسة القرآن.
(1) صحيح البخاري رقم الحديث (71) وأبو داود 4232 واللفظ له.