الصفحة 1 من 7

لن نستطيع رفع التحدي الذي يواجه أسرنا المسلمة في أوطانها الجديدة إلا بإقرار استراتيجيات عمل ثقافي تربوي إسلامي في الغرب، و ضرورة تخطيط و ترشيد مناهج العمل الإسلامي في جميع مجالات الحياة لتستجيب لخصوصية الواقع الذي يعيش فيه المواطنون المسلمون الأوربيون في الدول الغربية وتفاعلاته، و ما يحيط به من تحديات.

إن استقراء واقع المواطنين الأوربيين المسلمين يبين لنا أن حركة الهجرة العالمية، باعتبارها إحدى أهم الظواهر المرتبطة بدينامكية الحياة في هذا القرن، قد حولت دول الاستقبال إلى مجتمعات متعددة الثقافات و الأديان، وهو ما جعل المسئولين في الغرب يضعون مخططات اجتماعية وثقافية وتربوية، لدمج المواطنين الجدد و بخاصة المسلمين في النظام القائم باختياراته العلمانية و مبادئه الوضعية.

و نظرا لشدة جهل المسلمين لحقيقة أهداف ذلك الدمج و لمبادئ دينهم و ثقافتهم التي تقوم أساسا على مبادئ العدالة الاجتماعية و المساواة المطلقة بين بني البشر، تلقى تلك الخطط مقاومة هائلة، و بخاصة من طرف المواطنين المسلمين. و يعود مبعث تلك المقاومة إلى خوف المواطنين المسلمين من الذوبان داخل مجتمعاتهم الجديدة و حرصهم على التمسك بذاتيتهم الثقافية و خصوصيتها الإسلامية.

غير أن هذا الحرص من طرف المسلمين في الغرب، و مع أنه لا يعني انغلاقا على الذّات أو انعزالًا، فهو يفهم من طرف المسئولين و حتى المواطنين من أصحاب الديانات الأخرى أنه تعصب و انعزال عن المشاركة في الحياة الاجتماعية. و المطلوب منا كمسلمين هو التفاعل مع مواطنينا الأوربيين كي تنمحي كل الأحكام السالبة المسبقة و كل كليشي ملصق بنا كمواطنين من الدرجة الثانية أو حتى الثالثة. فينبغي أن نبرهن على قدرتنا على الاندماج الاقتصادي و أن نشارك بفعالية في الإنتاج المحلي، و أن نندمج سياسيا بحضور مكثف في المواقع السياسية حتى البعيدة منها على السلطة لنتمكن من التعايش مع مواطنينا الأصليين في جو من الوئام والتعاون. إن الانفتاح على الحضارة الإنسانية والتفاعل معها هو أحد المبادئ التي بإمكانها أن تخرجنا من عزلتنا الفعلية في هذا العالم الذي أصبح قرية واحدة بسبب العولمة التي تكتسح كل شيء. و هذا مع المحافظة على التمّيز الروحي والأخلاقي لدينا.

إن التحوّلات التي يعرفها العالم في هذه المرحلة الحاسمة و منذ عقود، و بخاصة منها التحولات الاقتصادية التي تطمح لفرض نموذجًا ثقافيًا واحدًا على المستوى العالمي؛ و لأن المبادئ الثقافية هي نتاج العلاقات الدولية الاقتصادية فقد ترتب على الاتصال الثقافي من التأثير و التأثر بين شعوب المعمورة ما يفوق عددًا وحجمًا ما ترتب على التبادل الاقتصادي والاجتماعي غير المتكافئ.

و منذ القدم، و من خلال استقراء التاريخ القديم و الحديث يظهر بما لا مجال للشك فيه بأن العلاقات و الصّراعات الدولية كانت تتركز أساسا على الهويات الثقافية للشعوب. و نحن نعتقد من خلال تنزيل التاريخ على الواقع، بأنه إذا نشأت نفس الظروف فإن التاريخ يتكرر و لو في سياقات مختلفة مع أن الهدف يظل واحدا. أن المستقبل القريب و البعيد، سيجعل من القضية الثقافية هي معترك العولمة الأول. و من ثم فإن هيمنة النموذج الثقافي الغربي، ستصطدم بحرص الشعوب الأخرى على هوياتها الثقافية و منها الشعوب الإسلامية.

إن خطر» الكونية الثقافية «الذي يتهدّد الشعوب الإسلامية في عقر دارها بفعل كونية الاتصالات، جعل المواطنين المسلمين في بلاد الغرب يخافون هذه الكونية الثقافية المفروضة و التي جاءت من عفوية التواصل العالمي الذي لم يعد البشر قادرين على تضييقه و السيطرة عليه. و بتصاعد هذا الخوف في البيئات غير الإسلامية، حيث تنشأ الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين في مؤسسات لم تأخذ بعين الاعتبار مبادئ ثقافية معينة بله مبادئ الأديان السماوية، تصاعد الانغلاق و التقوقع حيث ظهرت جماعات تطالب بالعودة إلى التراث كمرجع وحيد للنجاة من الدمج الثقافي الكوني.

و في نظرنا فإن كون الجيل الثاني و الثالث لا يحسن لغة ثقافته و دينه، كما يجهل مبادئ العقيدة و الشريعة الإسلامية، ليس سببه هو العولمة و كونية التواصل الثقافي و غيره لأن هذا الوضع كان موجودا حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت