فهرس الكتاب
فقه البغاة والخوارج
هذا الفقه عقد له الطرسوسي فصلًا خاصًا . ولكنه سار فيه كما سار من قبله من الفقهاء ، في اعتبار الخروج على الأمة هو الخروج على الحاكم . إلا أنه حاول التخفيف من نتائج هذا المنحى بالتمييز بين من خرج تظلمًا ، ومن خرج لخلاف في الرأي أو صراعًا على السلطة ، معتمدًا في استنتاجاته على ما فعله الإمام علي - كرم الله وجهه - في مواجهته للبغاة من بني أمية والخوارج .
إلا أن هذا الفقه تحكمه أدلة خاصة به من القرآن الكريم ، ومن السنة النبوية ، بالإضافة إلى الأدلة العامة النقلية التي تحرم التظالم وتلزم بالحق والعدل والشورى ، وتحض على الوحدة والتعاون وعدم التمزق والتشتت .
فمن القرآن الكريم:
قوله تعالى: { إِنَّما جَزاءُ الْذِيْنَ يُحَارِبُوْنَ اللهَ وَرَسُوْلَهُ وَيَسْعَوْنَ فِيْ الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ، ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِيْ الدُّنْيا . وَلَهُمْ فِيْ الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيْمٌ ، إِلَّا الَّذِيْنَ تابُوْا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوْا أَنَّ اللهَ غَفُوْرٌ رَحِيْمٌ } المائدة 33-34 .
وقوله تعالى: { وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ اِقْتَتَلُوْا فَأَصْلِحُوْا بَيْنَهُما . فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوْا الَّتِيْ تَبْغِيْ حَتَّى تَفْيْءَ إِلى أَمْرِ اللهِ . فَإِنْ فاءَ تْ فَأَصْلِحُوْا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوْا إِنَّ اللهَ يُحِبُ الْمُقْسِطِيْنَ } . الحجرات 9 .
ومن السنة النبوية: ما أخرجه الحاكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"يا ابن أم عبد ، هل تدري كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة ؟"قال: الله ورسوله أعلم . قال"لا يجهز على جريحها ، ولا يقتل أسيرها ، ولا يطلب هاربها ، ولا يقسم فيئها". وهذا ما سار عليه الإمام علي - رضي الله عنه - في مقاومته للبغاة .
فالبغاة حسب نصوص القرآن والسنة هم:
-الذين يحاربون الله ورسوله ، أي يحاربون الإسلام . ويمنعون من تطبيقه والعمل به ، سواء بتطبيق غيره من التشريعات ، أو بمنع أهله من العمل به والدعوة إليه .
-الذين يسعون بالفساد في الأرض ، سواء كان الفساد قتلًا أو قطعًا للطريق ، أو نشرًا للفواحش وإشاعةً لها بين المؤمنين ؛ كما هو معمول به حاليًا في كثير من أقطار المسلمين ، من تنظيم رسمي لدور الدعارة والقمار والخمر ، وسياحة الفجور ، وتقنين تشريعي لأساليب سلب الأمة سيادتها وثرواتها ، و تركيعها للأجنبي .