الصفحة 14 من 25

و عن ابن عمر رضى الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يؤتى بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح, فيذبح بين الجنة و النار, و يقال يا أهل الجنة خلود بلا موت, و يا أهل النار خلود بلا موت". [1]

فهذه أصناف عذاب جهنم على الجملة, و تفصيل غمومها و أحزانها و محنها و حسرتها لا نهاية لها و أعظم الأمور عليهم مع ما يلاقونه من شدة العذاب حسرة فوت نعيم الجنة و فوت لقاء الله و فوت رضاه مع عملهم بأنهم باعوا كل ذلك بثمن بخس دراهم معدودة, إذ لم يبيعوا ذلك إلا بشهوات حقيرة في الدنيا أياما قصيرة و كانت غير صافية كانت مكدرة منغصة, فيقولون في أنفسهم: و حسرتاه كيف أهلكنا أنفسنا بعصيان ربنا, و كيف لم نكلف أنفسنا الصبر أياما قلائل, و لو صبرنا لكانت انقطعت عنا أيامه و بقينا الآن في جوار رب العالمين متنعمين بالرضا و الرضوان, فيالحسرة هؤلاء و قد فاتهم ما فاتهم و بلوا بما بلوا به و لم يبق معهم شئ من نعيم الدنيا و لذاتها, و اعلم أن الله تعالى خلق النار بأهوالها و خلق لها أهلا لا يزيدون و لا ينقصون, و أن هذا أمر قد قضى و فرغ منه, قال الله تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُون َ (مريم:39)

و لعمري الإشارة به إلى يوم القيامة بل في أول الأزل و لكن أظهر يوم القيامة ما سبق به القضاء, فالعجب منك حيث تضحك و تلهو و تنشغل بمحقرات الدنيا و لست تدرى أن القضاء بماذا سبق في حقك, فإن قلت فليت شعري ماذا موردي؟ و إلى ماذا مآلي و مرجعي؟ و ما الذي سبق به القضاء في حقي؟ فلك علامة تستأنس بها و تصدق رجاءك بسببها, و هي أن تنظر إلى أحوالك و أعمالك فإن كلا ميسر لما خلق له, فإن كان قد يسر لك سبيل الخير فأبشر فإنك مبعد عن النار, و إن كنت لا تقصد خيرا إلا و تحيط بك العوائق فتدفعك, و لا تقصد شرا إلا و يتيسر لك أسبابه فاعلم أنك مقضي عليك, فإن دلالة هذا على العاقبة كدلالة الدخان على النار, قال الله تعالى: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيم ٍ (الإنفطار:13 - 14) . فاعرض نفسك على الآيتين و قد عرفت مستقرك من الدارين و الله أعلم.

(1) رواه البخاري (11/ 415) الرقاق: صفة الجنة و النار, و مسلم (17/ 186) صفة الجنة. قال ابن الأثير: الأملح: المختلط البياض و السواد, و قوله"فيذبح"شبه اليأس من مفارقة الحالتين في الجنة و النار و الخلود فيها بحيوان يذبح فيموت, فلا يبقى يرجى له حياة و لا وجود, و كذلك حال أهل الجنة و النار بعد الاستقرار فيهما و إخراج من يخرجه الله من النار في اليأس من مفارقة حالتيهما و انقطاع الرجاء من زوالها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت